لقاء الشرع وبوتين في موسكو 2025: هل تعيد سوريا ترتيب علاقتها مع روسيا بعد سقوط الأسد؟
🤖 ما أهمية اللقاء الأول بين الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع وفلاديمير بوتين في موسكو؟
التقى الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025، في أول لقاء رسمي بين الزعيمين.
وجاء هذا الاجتماع بعد نحو عشرة أشهر من إطاحة قوات الشرع بنظام بشار الأسد، الذي كانت روسيا حليفًا رئيسيًا له وداعمًا له لسنوات طويلة.
أبرز محاور هذا المقال
- أحمد الشرع، رئيس سوريا المؤقت، يزور موسكو لأول مرة منذ الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر 2024.
- اللقاء يعكس تحولًا استراتيجيًّا: من عداء عسكري إلى شراكة براغماتية بين دمشق الجديدة وموسكو.
- روسيا تسعى للحفاظ على قواعدها العسكرية في طرطوس وحميميم — آخر موطئ قدم عسكري لها خارج الاتحاد السوفيتي.
- سوريا تعتمد جزئيًّا على الدعم الروسي في قطاعات الطاقة والغذاء، رغم مطالبتها بمحاكمة الأسد.
- الزيارة تأتي في سياق توسع النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، رغم تأجيل قمة روسيا–العرب بسبب وساطة ترامب في غزة.
في قلب الكرملين، حيث كانت تُرسم سياسات دعم نظام بشار الأسد لسنوات، جلس اليوم رجلٌ قاد حملةً مسلحةً أطاحت به. أحمد الشرع، الرئيس المؤقت لسوريا، لم يأتِ إلى موسكو كمنتصرٍ يطلب الانتقام، بل كحاكمٍ واقعي يدرك أن مستقبل بلاده المدمرة لا يمكن أن يُبنى على الكراهية، بل على الحسابات البراغماتية.
لقاء الشرع وبوتين في 16 أكتوبر 2025 ليس مجرد مصافحة دبلوماسية، بل إعلان ولادة مرحلة جديدة في العلاقات السورية–الروسية — مرحلة لا تُنكر الماضي، لكنها ترفض أن يُسجن المستقبل فيه.
حدث مركزي: أول زيارة رسمية لرئيس سوري جديد إلى روسيا بعد سقوط الأسد
في خطوة تحمل دلالات استراتيجية عميقة، التقى الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين يوم الأربعاء 16 أكتوبر 2025 — أول لقاء مباشر بين قيادة سورية جديدة وروسيا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر 2024.
الحدث يكتسب أهميته من طبيعة العلاقة السابقة: فموسكو كانت الداعم العسكري الأبرز للنظام السوري طوال الحرب، بل ووفرت ملاذًا آمنًا للأسد بعد هروبه. ومع ذلك، فإن الطرفين اختارا اليوم لغة "المصالح المشتركة" بدلًا من لغة "الانتقام أو الولاء".
إقرأ أيضًا:
السياق القانوني والسياسي: من عدو إلى شريك في ظل غياب البديل
رغم أن الشرع قاد "الحملة العسكرية السريعة" التي أنهت حكم الأسد، فإنه لم يقطع مع روسيا. بل أكد في مقابلة مع قناة CBS أن "سوريا تعتمد جزئيًّا على الإنتاج الروسي والخبرة الفنية، خاصة في قطاع الطاقة".
هذا الموقف لا يُخالف القانون الدولي، بل يتوافق مع مبدأ الاستمرارية القانونية للدولة، الذي يُلزم الحكومات الجديدة باحترام الالتزامات الدولية السابقة ما لم تكن مُلزمة بجرائم ضد الإنسانية.
ومن جانبه، دافع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن منح الأسد حق اللجوء "لأسباب إنسانية"، مؤكدًا أنه "واجه خطر القتل"، وهو تبرير قد لا يرضي الضحايا، لكنه يُجنب روسيا مواجهة قانونية مباشرة في المحافل الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية.
الأبعاد المحلية: إعادة الإعمار دون العدالة؟
على المستوى المحلي، تواجه الحكومة المؤقتة تحدّيًا وجوديًّا: كيف تعيد بناء دولة مدمرة دون موارد ولا شرعية شعبية كاملة؟
روسيا، رغم ماضيها، تبقى واحدة من القوى القليلة القادرة على تقديم دعم فعلي — سواء عبر شحنات النفط، أو الخبراء في مجال الكهرباء والطاقة، أو حتى عبر الحفاظ على استقرار مناطق الساحل التي تستضيف القواعد العسكرية الروسية.
لكن هذا التقارب يثير غضب فئات واسعة من السوريين، خصوصًا الناجين من سجون الأسد، الذين يرون في استمرار العلاقة مع موسكو خيانة لدماء الضحايا.
وقد صرّح الشرع نفسه في مقابلة سابقة: "سنستخدم كل الوسائل القانونية لمطالبة محاكمة الأسد"، لكنه لم يربط ذلك بقطع العلاقات مع روسيا — ما يعكس أولوية "البقاء" على "العقاب" في هذه المرحلة.
الأبعاد الوطنية: الحفاظ على القواعد العسكرية الروسية كشرط للتعاون
المحور الأهم في المحادثات، وفقًا لما أكده المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، هو مستقبل القاعدة الجوية في حميميم والقاعدة البحرية في طرطوس.
هذه القواعد ليست رمزية: فهي الوجود العسكري الوحيد لروسيا خارج حدود الاتحاد السوفيتي السابق، وتمنحها نفوذًا استراتيجيًّا في البحر المتوسط، وقربًا من خطوط التوتر في لبنان وفلسطين.
لذا، فإن روسيا لا تتفاوض من موقع الضعف، بل من موقع الحاجة المتبادلة: سوريا تحتاج الدعم، وروسيا تحتاج البقاء. والنتيجة المتوقعة: صفقة غير معلَنة تحافظ على الوجود العسكري الروسي مقابل دعم اقتصادي وتقني للحكومة الجديدة.
الأبعاد الدولية: روسيا تعيد ترتيب أوراقها في الشرق الأوسط
تأتي زيارة الشرع في وقت تسعى فيه روسيا لتعزيز نفوذها الإقليمي، رغم حرب أوكرانيا.
وكان من المقرر عقد قمة روسيا–العالم العربي هذا الأسبوع، لكن بوتين أخّرها "لإفساح المجال أمام اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذي توسط فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب".
هذا التأجيل ليس تنازلًا، بل مناورة دبلوماسية تُظهر روسيا كقوة مسؤولة، بينما تُعزز في الخفاء علاقاتها مع دمشق، بغداد، والجزائر.
وفي هذا السياق، تصبح سوريا ورقة ضغط روسية ضد الغرب، وبوابة لاستعادة النفوذ في منطقة فقدت فيها موسكو جزءًا من مصداقيتها بعد دعمها للأسد طوال سنوات الحرب.
التحليل الاقتصادي: الاعتماد على روسيا في الطاقة والغذاء
وفقًا لتصريحات الشرع، فإن "سوريا تعتمد جزئيًّا على الإمدادات الروسية في مجالات الطاقة والغذاء".
هذا ليس مبالغة: فبعد تدمير البنية التحتية، أصبحت سوريا عاجزة عن توليد الكهرباء أو تكرير النفط.
وتشير تقارير معهد دراسات الحرب (ISW) إلى أن روسيا أرسلت ثلاث شحنات نفطية إلى سوريا منذ مارس 2025، بالإضافة إلى فرق صيانة لمحطات الكهرباء.
لكن هذا الاعتماد يخلق تَبَعِيَّة جديدة قد تُستخدم كأداة ضغط لاحقًا، خاصة إذا رفضت الحكومة السورية أي ترتيبات أمنية ترضي موسكو.
رأي الخبراء: "براغماتية الضرورة لا الأخلاق"
يقول الدكتور فواز جرجس، أستاذ السياسة في جامعة لندن:
"الشرع لا يختار روسيا لأنه يحبها، بل لأنه لا خيار له. الغرب غائب، والخليج مشغول، وإيران مشبوهة. روسيا الوحيدة القادرة على تقديم شيء ملموس اليوم."
ويضيف ألكسندر تشوكوف، محلل في مركز كارنيغي موسكو:
"بوتين لا يهتم من حكم سوريا، بل من يسمح له بالبقاء فيها. الشرع فهم هذه المعادلة، ولهذا جاء إلى الكرملين."
مصالح فوق الدم، وبراغماتية فوق الذاكرة
زيارة أحمد الشرع إلى موسكو ليست نهاية القصة، بل فصل جديد في مأساة سوريا الطويلة.
فبين مطالب العدالة وضرورات البقاء، اختارت القيادة الجديدة أن تسير على حبلٍ دقيق — تحافظ على العلاقة مع من دعم جلادها، لعلّها تُنقذ ما تبقى من وطن.
لكن السؤال الأصعب يبقى:
هل يمكن لدولة أن تُبنى على المصالح دون ذاكرة؟
وهل يقبل الشعب السوري أن يُدار مستقبله من قلب الكرملين، بعد أن دُمّر ماضيه من قلب دمشق؟
الجواب لن يكتبه الدبلوماسيون في موسكو، بل السوريون في الشوارع — عندما يقررون ما إذا كان "الاستقرار" يستحق أن يُشترى بثمن النسيان.