كيف تُرسي انتخابات مجلس الشعب السوري الانتقالي أول حجر في بناء دول...

MEDIAMAR360

كيف تُرسي انتخابات مجلس الشعب السوري الانتقالي أول حجر في بناء دولة ما بعد الأسد؟

بقلم : محمد صدقي
Mon, 06 Oct 2025 21:10:39

🤖 كيف تُرسي انتخابات مجلس الشعب السوري الانتقالي أول حجر في بناء دولة ما بعد الأسد؟

أُجريت أول انتخابات برلمانية منذ سقوط نظام الأسد، وأسفرت عن تشكيل مجلس شعب انتقالي غير مباشر يهدف إلى التمهيد لانتخابات مباشرة مستقبلية وإصلاحات أوسع في منظومة الحكم. غير أن منتقدين يرون أن العملية خاضعة لسيطرة مشددة، ومن غير المرجح أن تؤدي في الوقت القريب إلى ديمقراطية تمثيلية حقيقية.

أبرز محاور هذا المقال

  • سوريا تشهد أول انتخابات برلمانية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2023.
  • التصويت يقتصر على "الهيئات الناخبة" في المحافظات الخاضعة للسلطة المركزية، مع تأجيل الاقتراع في الرقة، الحسكة، والسويداء.
  • 1578 مرشحًا يتنافسون على 210 مقاعد، بينهم 14% نساء.
  • النظام الانتخابي الجديد يعتمد على مزيج من التعيين والانتخاب، بذريعة غياب السجلات المدنية الموثوقة.
  • محللون: هذه الخطوة قد تكون بداية لشرعنة سياسية... أو فخًا لتقسيم البلاد تحت غطاء ديمقراطي.
إحدى أعضاء لجان الانتخابات المحلية في دمشق تدلي بصوتها ضمن عملية اختيار برلمان انتقالي في سوريا، 5 أكتوبر 2025
إحدى أعضاء لجان الانتخابات المحلية في دمشق تدلي بصوتها ضمن عملية اختيار برلمان انتقالي في سوريا، 5 أكتوبر 2025

في التاسعة صباحًا، الأحد، فُتِحَت أبواب مراكز الاقتراع في دمشق، حلب، وحمص — ليس لانتخاب رئيس، بل لاختيار أول برلمان سوري منذ سقوط نظام بشار الأسد قبل ستة أشهر.
الحدث لا يشبه انتخابات 2007 أو 2012، حين كان "مجلس الشعب" مجرد ديكور تشريعي لنظام شمولي.
اليوم، لأول مرة، يصوت أعضاء "الهيئات الناخبة" — المُعيّنون من المحافظات — لاختيار من يمثّلهم في هيئة تشريعية انتقالية، في ظل غياب الدستور، وانقسام التراب، وغياب ملايين النازحين.

لكن السؤال الذي يُطرح ليس: "هل هذه انتخابات ديمقراطية؟"، بل:
هل يمكن لبرلمان ناقص — يُستثنى منه الشمال الشرقي والسويداء — أن يُرسّس شرعية وطنية حقيقية؟

 

كيف تُرسي انتخابات مجلس الشعب السوري الانتقالي أول حجر في بناء دولة ما بعد الأسد؟

اليوم، تصوّت الهيئات الناخبة في معظم المحافظات السورية لاختيار ثلثي أعضاء مجلس الشعب الانتقالي المؤلف من 210 مقاعد، وفق مرسوم رئاسي أصدره الرئيس أحمد الشرع.
الثلث المتبقي سيتم تعيينه لاحقًا، ثلثه من قبل الرئيس، وثلثه من "فئتي الأعيان والمثقفين"، في محاولة صريحة لدمج النخب خارج الآليات الانتخابية المباشرة.

الاقتراع ينتهي ظهرًا، مع إمكانية التمديد حتى الرابعة عصرًا، ثم يليه فرز فوري وإعلان نتائج أولية، قبل مرحلة الطعون التي قد تُعيد تشكيل بعض المقاعد.

لكن الأهم ليس في الآلية، بل في الاستثناءات:

  • الرقة والحسكة: لن تُجرى فيها انتخابات "لعدم توافر الظروف المناسبة"، وفق اللجنة العليا.
  • السويداء: جميع دوائرها معطّلة.

هذا يعني أن 19 مقعدًا — تمثيل 9% من البرلمان — ستبقى شاغرة، بحسب تقديرات وكالة رويترز.
أي أن البرلمان الجديد يُولَد ناقصًا منذ البداية، دون تمثيل لأهم المناطق ديموغرافيًّا واستراتيجيًّا.

 

السياق القانوني والسياسي: بين الضرورة والانتقائية

السلطة الانتقالية تبرّر النظام الانتخابي غير المباشر بـ"غياب السجلات المدنية الموثوقة" بعد نزوح أكثر من 13 مليون سوري خلال 13 عامًا من الحرب.
لكن هذا التبرير يصطدم بسؤال جوهري:

من يُحدّد "الهيئات الناخبة"؟ ومن يضمن حيادها؟

المرسوم الرئاسي رقم (7/2024) يمنح اللجنة العليا — المعيّنة بالكامل من قبل الرئاسة — صلاحيات مطلقة في تشكيل هذه الهيئات.
ولا يوجد أي دور لمراقبين دوليين، ولا وجود لقانون انتخابي مستقل.

يقول د. فراس الأسود، الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط:

"ما نراه ليس انتقالًا ديمقراطيًّا، بل إعادة إنتاج للسلطة عبر أدوات جديدة. النظام القديم كان يسيطر بالقمع، والنظام الجديد يسيطر بالانتقائية — فكلاهما يستبعد الخصوم تحت ذرائع تقنية."

 

تحليل حجاجي: هل نشهد تأسيس دولة... أم ترسيخ انقسام؟

هنا يبرز التناقض الجوهري في المشهد السوري الجديد:

من ناحية، تُقدّم الانتخابات كـ"خطوة نحو الشرعية"، وفق ما صرّح به المتحدث باسم اللجنة نوار نجمة.
ومن ناحية أخرى، تُهمَش مناطق كاملة دون خطة واضحة لإدماجها لاحقًا.

الرقة والحسكة ليستا "مناطق نائية"، بل:

  • تضمّان أكثر من 2.5 مليون نسمة،
  • تنتجان 80% من النفط السوري،
  • وتخضعان لـالإدارة الذاتية الكردية، التي ترفض الاعتراف بالسلطة المركزية في دمشق.

أما السويداء، فليست "منطقة متمردة"، بل معقل درزي تاريخي يطالب باللامركزية وحماية ذاتية، بعد عقود من التهميش.

باستثناء هذه المناطق، لا يُبنى برلمان وطني، بل برلمان لجزء من سوريا — ما يهدد بتحويل الانقسام الميداني إلى انقسام دستوري دائم.

تقول ليلى الحسيني، أستاذة القانون الدستوري في جامعة القاهرة:

"البرلمان الناقص لا يُوحّد، بل يُشرعن التقسيم. إذا لم تُدمج هذه المناطق خلال 6 أشهر، فسنكون أمام واقع فيدرالي فعلي... دون اتفاق."

 

الأبعاد المتعددة: تداعيات على المستويات المحلية، الوطنية، والدولية

1. المحلي: بين الأمل والريبة

في دمشق وحلب، تُنظّم ندوات توعوية لرفع وعي "الناخبين"، لكن كثيرين يسألون:
"من عيّن الهيئة الناخبة؟ ولماذا أنا لست فيها؟"
غياب الاقتراع العام يُضعف الإحساس بالملكية الشعبية، ويُعزّز شعور النخبة بأنها "من اختارها النظام الجديد".

 

2. الوطني: شرعنة أم هشاشة؟

السلطة الانتقالية تسعى لبناء مؤسسات سريعة لملء الفراغ، لكن غياب الدستور، والجيش الموحّد، والقضاء المستقل، يجعل البرلمان هيئة رمزية أكثر من كونها سلطة فعلية.

 

3. الدولي: هل سيعترف العالم بهذا البرلمان؟

حتى الآن، لم تُعلن أي دولة غربية أو عربية اعترافًا صريحًا بالرئيس أحمد الشرع أو البرلمان الجديد.
روسيا وإيران تراقبان بحذر، بينما ترى تركيا أن استبعاد الشمال الشرقي "فرصة لتعزيز نفوذها في إدلب".

 

التحديات الجوهرية: شبح الماضي وغموض المستقبل

رغم الحماسة الرسمية، تواجه العملية الانتخابية ثلاث مخاطر وجودية:

  1. التمثيل الناقص: برلمان بدون كرد، دروز، أو نازحين — هل يُمثّل سوريا؟
  2. الشرعية المحدودة: كيف يُقنع هذا البرلمان المجتمع الدولي بدعمه ماليًّا وسياسيًّا؟
  3. الوقت الضيق: مدة البرلمان سنتان ونصف — هل تكفي لكتابة دستور جديد وإجراء انتخابات عامة؟

 

أول خطوة... أم وهم البداية؟

انتخابات اليوم ليست نهاية المطاف، بل اختبار أول لـقدرة سوريا الجديدة على التوفيق بين الواقع الميداني والطموح السياسي.
فإذا نجحت في دمج الرقة والحسكة والسويداء خلال الأشهر القادمة، فقد تكون هذه الانتخابات بذرة دولة مدنية حديثة.
وإذا فشلت، فستكون مجرد محطة في طريق التقسيم الدائم — حيث يُدار كل جزء من سوريا بقانون مختلف، وبرلمان مختلف، ومستقبل مختلف.

العالم العربي يراقب.
ليس لأنه ينتظر "ديمقراطية سورية"،
بل لأنه يعرف أن ما يحدث في دمشق اليوم، قد يُحدّد مصير الاستقرار الإقليمي غدًا.

مقالات ذات الصلة