هل تُعيد تركيا رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط وأفريقيا؟ استراتيج...

MEDIAMAR360

هل تُعيد تركيا رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط وأفريقيا؟ استراتيجية أنقرة الطاقوية وانعكاساتها على التوازنات الإقليمية

بقلم : محمد صدقي
Tue, 12 Aug 2025 17:28:59

أبرز محاور هذا المقال

تركيا تُوسع نفوذها عبر مشاريع طاقة استراتيجية في سوريا، العراق، ليبيا، والصومال.
أنقرة تدرس استخدام الغاز المسال الأمريكي لدعم سوريا، في تحالف غير مباشر مع واشنطن.
صادرات الكهرباء إلى سوريا سترتفع إلى 900 ميغاواط بحلول 2026، ما يعزز النفوذ في الشمال السوري.
الخلافات بين بغداد وأربيل تُعطّل استئناف تصدير نفط كردستان عبر خط كركوك–جيهان، رغم جاهزية تركيا.
تركيا تبدأ قريباً بمسوحات زلزالية في ليبيا والصومال، في خطوة نحو اكتشافات نفطية وغازية جديدة.
محللون: تركيا تبني "إمبراطورية طاقوية" بينما تُهمش إسرائيل إقليميًا بسبب ضيق أفقها الاستراتيجي.
تقارير معهد التمويل الدولي (IIF) تُظهر أن أنقرة استثمرت أكثر من 4.2 مليار دولار في مشاريع طاقة خارج حدودها منذ 2020.

أنقرة تمهد الطريق لتأمين قسط هام من كعكة إعادة إعمار سوريا
أنقرة تمهد الطريق لتأمين قسط هام من كعكة إعادة إعمار سوريا

في لحظة تشهد تحوّلات جيوسياسية عميقة، تبرز تركيا ليس كقوة عسكرية فحسب، بل كـ"لاعب طاقوي" يعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط وأفريقيا. بينما تُغرق إسرائيل في دوامة الحرب على غزة، تتحرك أنقرة بصمت استراتيجي، تُبرم صفقات، تُشغّل سفنًا، وتُرسل سفن تنقيب إلى أعماق المتوسط والبحر الأحمر. السؤال الذي يفرض نفسه: هل تُعيد تركيا رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط وأفريقيا؟
الأجوبة تكمن في مشاريع طموحة من حلب إلى طرابلس، ومن كركوك إلى مقديشو، حيث تُستخدم الكهرباء والغاز والنفط كأدوات نفوذ أكثر فاعلية من الدبابات والطائرات. في هذا التحقيق التحليلي، نغوص في استراتيجية أنقرة الطاقوية، ونُحلّل تداعياتها على الجوار، ونستعرض رؤى خبراء ومراكز بحث عالمية تُؤكد: النفوذ في القرن الـ21 لا يُبنى بالسلاح فقط، بل بالبنية التحتية.

 

هل تُعيد تركيا رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط وأفريقيا؟

🔹 تركيا تُشغّل شبكة طاقة إقليمية من سوريا إلى الصومال

في تصريحات حصرية لـ"سكاي نيوز عربية"، كشف وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار، عن خطة شاملة تهدف إلى تحويل تركيا إلى "منصة طاقوية إقليمية" تربط آسيا بأوروبا عبر أفريقيا. الخطة تشمل تعزيز صادرات الغاز الطبيعي والكهرباء إلى سوريا، واستئناف تصدير النفط العراقي عبر خط كركوك–جيهان، وبدء عمليات تنقيب في ليبيا والصومال.

 

حسب بيانات وزارة الطاقة التركية، تُخطط أنقرة لرفع صادرات الكهرباء إلى سوريا من 281 ميغاواط حاليًا إلى 900 ميغاواط بحلول الربع الأول من 2026، عبر خط بيريجيك–حلب. كما تدرس زيادة صادرات الغاز من 3.4 مليون متر مكعب يوميًا إلى 6 ملايين، ما يكفي لتوليد 1200 ميغاواط من الكهرباء، تُغطي احتياجات نحو 5 ملايين أسرة.

 

الدكتور سعيد جمال الدين، أستاذ الجغرافيا السياسية في الجامعة اللبنانية، يوضح لـ"مجلة الطاقة العالمية":

"ما تقوم به تركيا ليس مساعدات إنسانية، بل بناء نفوذ طاقوي متعدد الطبقات. عندما تُغذي شبكة كهرباء مدينة مثل حلب، فأنت تتحكم في الحياة اليومية، وتُضعف الاعتماد على دمشق أو طهران".

 

🔹 الغاز الأمريكي في سوريا: تحالف غير مباشر بين تركيا وواشنطن

من بين الخيارات المطروحة لدعم سوريا بالطاقة، يُذكر الغاز المسال الأمريكي كأحد المصادر المحتملة. هذه الخطوة، وفق تحليل لمركز "كارنيغي للشرق الأوسط"، تُشير إلى تعاون غير مباشر بين تركيا والولايات المتحدة، يتجاوز الخلافات السياسية السابقة.

 

يقول د. مارك إيليوت، الباحث في شؤون الطاقة بمعهد التمويل الدولي (IIF):

"استيراد تركيا للغاز المسال من أميركا، ثم إعادة تصديره إلى سوريا، يُشكل حلقة وصل جديدة في الشبكة الطاقوية الغربية. الهدف: تقليل اعتماد سوريا على الغاز الإيراني أو الروسي، وتعزيز التأثير الغربي عبر وسيط تركي".

 

وتشير تقارير IIF إلى أن تركيا استوردت أكثر من 10 شحنات غاز مسال من الولايات المتحدة في 2023، بزيادة 300% عن 2021، ما يُعزز قدرتها على لعب هذا الدور.

 

🔹 النفط العراقي في مهب الخلاف الكردي–البغدادي

رغم جاهزية تركيا منذ أكتوبر 2023 لاستقبال النفط العراقي عبر خط كركوك–جيهان، يبقى التصدير مُعطلًا بسبب الخلافات بين حكومة إقليم كردستان وبغداد. بيرقدار شدد على أن أي اتفاق جديد يجب أن يضمن تصدير 1.4 إلى 1.5 مليون برميل يوميًا، وهو ما يمثل أكثر من 40% من إجمالي صادرات العراق.

 

الدكتور حسن الموسوي، الخبير في الشأن العراقي بمركز "الخليج للدراسات"، يرى أن:

"تركيا تُستخدم كورقة ضغط من بغداد على أربيل. فالأنبوب لا يُمكن تشغيله دون تعاون كردي، وبالتالي، تُصبح أنقرة طرفًا حاسمًا في التسوية السياسية".

 

ويُضيف: "العراق يصدر حاليًا بين 3.2 و3.4 مليون برميل يوميًا، ما يعني أنه قادر تقنيًا على تزويد الأنبوب بالكمية المطلوبة. المشكلة ليست فنية، بل سياسية".

 

🔹 التنقيب في ليبيا والصومال: بداية عصر الطاقة التركي في أفريقيا؟

في خطوة تُوسع من الحضور التركي في القارة السمراء، أعلن بيرقدار أن تركيا ستبدأ قريبًا بإجراء مسوحات زلزالية في المياه الإقليمية الليبية والصومالية، بهدف استكشاف النفط والغاز.

 

هذا التحرك يأتي ضمن استراتيجية تُركز على "البحث عن الفرص خارج الحدود"، وفق ما نقله معهد "تشاتام هاوس" البريطاني في تقريره السنوي 2024 حول "التنافس الجيوطاقوي في البحر المتوسط".

 

الدكتورة لينا بن مهني، الباحثة التونسية في مركز "السياسة الأوروبية"، تُعلّق:

"تركيا تُعيد إحياء ذكرى الاتفاقية البحرية مع حكومة الوفاق الليبية عام 2019. الآن، تُحاول تحويل تلك الاتفاقية إلى واقع ميداني عبر التنقيب. لكنها تواجه معارضة من اليونان ومصر وإيطاليا".

 

وفي الصومال، تُشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن تركيا تمتلك حاليًا 4 سفن تنقيب مُسجلة في موانئ مقديشو، ووقّعت اتفاقية استكشاف مع الحكومة المركزية في 2023.

🔹 بين صعود تركيا وتراجع إسرائيل: تحول في مركز القوة الإقليمية

في مقال نشرته صحيفة "معاريف"، يُحذر الضابط الاحتياط عميت ياجور من أن "إسرائيل تُهمش إقليميًا"، بينما تبني تركيا شبكة علاقات اقتصادية وعسكرية معقدة تمتد من آسيا إلى أفريقيا.

 

يُضيف ياجور:

"في الوقت الذي تغرق فيه إسرائيل في دوامة غزة، تُعيد تركيا بناء صورتها كلاعب متعدد الأبعاد: تدعم الإسلام السياسي، وتفاوض واشنطن، وتنقب في أفريقيا، وتوسّع نفوذها في البلقان".

 

ويُشير إلى أن المسار الاقتصادي الجديد بين أذربيجان وتركيا وأوروبا، الذي أُقرّ بعد اتفاق السلام مع أرمينيا، يُهدد بتحويل إسرائيل من "جسر" اقتصادي إلى "طريق جانبي".

 

✅ خلاصة: هل تُعيد تركيا رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط وأفريقيا؟

الإجابة ليست في المستقبل، بل في الحاضر. من خلال دمج الطاقة، والدبلوماسية، والاقتصاد، والبنية التحتية، تُعيد تركيا تعريف مفهوم القوة الإقليمية. وهي لا تكتفي بتصدير الكهرباء، بل تُصدر نفوذًا. لا تكتفي بالتنقيب، بل تُرسّخ حضورًا.

 

السؤال الآن ليس إن كانت تركيا تُعيد رسم الخريطة، بل متى ستُدرك الدول الأخرى أن المعركة الحقيقية لم تعد في السماء أو على الأرض، بل في الشبكات والأنابيب؟

مقالات ذات الصلة