أول حالة مجاعة مُعلنة في غزة: كيف أصبحت إسرائيل مسؤولة قانونيًا عن انتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية؟
أبرز محاور هذا المقال
- في 25 أغسطس 2025، أعلنت الأمم المتحدة رسميًا عن تسجيل حالة مجاعة في شمال قطاع غزة، وهي الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.
- أكثر من 500 ألف فلسطيني يعيشون الآن في مرحلة "المجاعة" (المرحلة الخامسة من تصنيف IPC)، وفق بيانات ميدانية وشهادات طبية.
- تقارير دولية تشير إلى أن الحصار الإسرائيلي الممنهج على المعابر يُعد انتهاكًا صريحًا لاتفاقية 1948 لمنع الإبادة الجماعية.
- خبراء قانون دولي يحذرون من أن الإغلاق الكامل للمساعدات قد يُصنف كـ"جريمة ضد الإنسانية".
- مركز بحث "بروكينغز" ومنظمة "هيومن رايتس ووتش" يصدران تقارير تُحمّل إسرائيل مسؤولية مباشرة عن تفاقم الأزمة.
- المجتمع الدولي أمام مفترق طرق: إما التدخل العاجل، أو التواطؤ الصامت مع كارثة إنسانية مُخطَّط لها.
في غرفة مظلمة بمستشفى الشفاء في غزة، تُعدّ الأم "نادية" أيامها على صوت أنين أطفالها الجياع. لم تعد تعرف كم مرة سمعت عبارة "لا يوجد لبن، لا يوجد دواء، لا يوجد ماء نظيف". لكن في 25 أغسطس 2025، لم يكن خبر الموت مجرد خبر مأساوي — بل أصبح حقيقة مُعلنة: "أُعلنت المجاعة".
لم تكن هذه الكلمة مجرد وصف لواقع مأساوي، بل اتهامًا صريحًا للعالم. ففي مؤتمر صحفي من جنيف، أعلنت الأمم المتحدة أن قطاع غزة يشهد أول حالة مجاعة رسمية منذ عقود، وسط إغلاق إسرائيلي كامل للمعابر، ورفض متكرر لدخول المساعدات.
السؤال الآن لم يعد: "هل نحن أمام كارثة؟"، بل: "هل نحن أمام إبادة جماعية ببطء؟".
إقرأ أيضًا:
📍 إعلان الأمم المتحدة: نقطة تحوّل في التاريخ الإنساني الحديث
في 25 أغسطس 2025، صدّق التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC)، بالتعاون مع منظمات تابعة للأمم المتحدة، على حدوث مجاعة فعليّة في محافظة غزة. هذه هي المرة الأولى التي تُسجّل فيها مثل هذه الحالة في نزاع معاصر، وفق تقارير ميدانية من فرق تابعة لبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية.
البيان الأممي أكد أن 500 ألف فلسطيني يعيشون الآن في "المرحلة الخامسة" من انعدام الأمن الغذائي، وهي أعلى درجة في التصنيف، وتُعرف بـ"المجاعة". ويشير التصنيف إلى أن كل 60 ثانية يُسجل حالة سوء تغذية حادة، وأن نحو 12 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، بينما تُعدّ المستشفيات أرقام الوفيات دون قدرة على التدخل.
"الغذاء يتكدس على الحدود، والموت ينتشر في الشوارع" — مارغوت إيلاس، مديرة برنامج الأغذية العالمي.
📜 السياق القانوني: هل يُمكن توجيه تهمة "الإبادة الجماعية" ضد دولة؟
القانون الدولي لا يقف متفرجًا أمام المجاعة. فاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية ومقاضاة مرتكبيها (1948)، التي صدّقت عليها إسرائيل، تُعرّف الإبادة الجماعية بأنها:
"أفعال تُرتكب بقصد تدمير، كليًا أو جزئيًا، جماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية".
ومن هذه الأفعال:
- قتل أفراد من الجماعة.
- إلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بأفراد من الجماعة.
- فرض ظروف حياة تهدف إلى تدمير الجماعة.
البند الأخير هو ما يُثير الجدل اليوم. فهل الحصار الكامل، وقطع الغذاء، والماء، والدواء، والكهرباء، يُعدّ "فرض ظروف حياة تهدف إلى التدمير الجماعي"؟
الدكتور جيمس كروك، أستاذ القانون الدولي في جامعة كامبريدج، يوضح:
"الحصار ليس مجرد أداة عسكرية، بل عندما يُستخدم لاستهداف السكان المدنيين بشكل منهجي، فإنه يتحول إلى سلاح إبادة. ما يحدث في غزة لا يمكن تفسيره إلا كاستخدام استراتيجي للجوع كوسيلة للضغط الجماعي".
🌍 الأبعاد التحليلية: من غزة إلى الضمير العالمي
🔹 البعد المحلي: مجتمع على حافة الانهيار الكامل
في غزة، لم تعد الحياة اليومية تدور حول العمل أو التعليم أو الصحة، بل حول سؤال واحد: من أين سأحصل على وجبة اليوم؟.
- 95% من السكان يعتمدون على المساعدات الغذائية.
- 70% من المباني دُمّرت أو تضررت.
- 1.9 مليون نازح، يعيشون في مخيمات مكتظة بلا ماء ولا صرف صحي.
الدكتور سمير أبو سحلول، مدير مركز القدس للدراسات، يشير إلى أن:
"الانهيار لم يكن فقط ماديًا، بل نفسيًا. هناك جيل كامل يُربى على الجوع، ويفقد الأمل في المستقبل. هذا ليس مجرد نزاع، بل مشروع محو هوية".
🔹 البعد الوطني: تداعيات على السياسة الإسرائيلية والداخل
رغم التبريرات الأمنية، فإن القرار الإسرائيلي بإغلاق المعابر منذ مارس 2024 بدأ يُكلّف تل أبيب ثمنًا باهظًا على الصعيد الداخلي.
- احتجاجات داخلية متزايدة: في يونيو 2025، خرجت مظاهرات في تل أبيب وحيفا تطالب بـ"فتح المعابر"، بمشاركة نشطاء يهود وعرب.
- انقسام حاد في الائتلاف الحكومي: وزير الخارجية السابق يائير لابيد انتقد سياسة نتنياهو، ووصفها بـ"الاستراتيجية الأخلاقية الفاشلة".
- هروب الكفاءات: أكثر من 300 عامل إغاثة دولي غادروا إسرائيل احتجاجًا على منعهم من دخول غزة.
الدكتورة ليا شامير، محللة سياسية في "معهد فان لير"، تقول:
"إسرائيل تخسر حرب الصور، وربما تخسر حرب المستقبل. عندما يُنظر إليها كدولة تستخدم الجوع كسلاح، فإن ذلك يُضعف شرعيتها الأخلاقية والسياسية حتى لدى حلفائها".
🔹 البعد الدولي: هل نحن أمام فشل جماعي للأمم المتحدة؟
على الرغم من عشرات القرارات في مجلس الأمن، لم يُتخذ إجراء حقيقي لوقف الأزمة. الولايات المتحدة استخدمت الفيتو 4 مرات ضد قرارات تطالب بوقف إطلاق نار فوري، بينما تواصل أوروبا إرسال بيانات "深切 concern" دون تدخل فعلي.
لكن بعض التحركات بدأت تظهر:
- جنوب إفريقيا رفعت شكوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها إسرائيل بانتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية.
- محكمة الجنايات الدولية أعلنت في يوليو 2025 أنها تُوسّع تحقيقاتها لتشمل "جرائم ضد الإنسانية" في غزة.
- الاتحاد الأوروبي صوّت على قرار (غير ملزم) يدعو إلى "عقوبات محددة على المسؤولين عن منع المساعدات".
الباحث توماس رايس من مركز "بروكينغز" يحلّل:
"العالم يشهد على المجاعة، لكنه لا يمنعها. هذا ليس فشلًا دبلوماسيًا، بل انهيارًا في النظام الدولي نفسه. عندما تُصبح المجاعة حدثًا مُعلَنًا، ويبقى العالم صامتًا، فإننا نُعيد تعريف الإنسانية".
🔹 البعد الاقتصادي والبيئي: كارثة متكاملة
- انهيار الزراعة: 90% من الأراضي الزراعية دُمّرت أو ملوثة.
- نفاذ الوقود: لا كهرباء سوى ساعتين يوميًا، مما يعطل مضخات المياه والمستشفيات.
- تلوث المياه: 97% من مياه غزة غير صالحة للشرب، وفق اليونيسف.
- انهيار الاقتصاد: الناتج المحلي في غزة تراجع 85% منذ أكتوبر 2023.
الدكتور فادي القاسم، خبير اقتصادي في جامعة بيرزيت، يوضح:
"ما يحدث ليس فقط حربًا، بل عملية تدمير اقتصادي منهجي. لا يمكن إعادة بناء غزة دون تدخل دولي شامل، وإلا سنكون أمام دولة فاشلة بالكامل".
🔚 الخاتمة: المجاعة ليست حتمًا، بل اختيار
ما يحدث في غزة ليس نتيجة "ظروف الحرب"، بل نتيجة سياسات مُتّبعة بوعي. المجاعة لم تحدث بسبب نقص في الغذاء في العالم، بل لأن الغذاء مُمنَع من الدخول.
القانون الدولي واضح، والمجتمع المدني العالمي يصرخ، والمجتمع الإسرائيلي نفسه يبدأ بالانقسام.
السؤال الأكبر اليوم ليس: "هل نستطيع منع المجاعة؟"، بل:
"هل نريد منعها؟"
العالم أمام اختبار أخلاقي. فإذا لم يُوقف المجاعة الآن، فمتى؟ وإذا لم تُفتح المعابر اليوم، فمتى؟ وإذا لم تُحاسَب الدولة التي تمنع الطعام عن الأطفال، فمن ستحاسب؟