هل تستطيع مجموعة البريكس إنهاء الهيمنة الأميركية على النظام العالمي؟ تحليل شامل للتحولات الجيوسياسية
أبرز محاور هذا المقال
هل تستطيع مجموعة البريكس إنهاء الهيمنة الأميركية على النظام العالمي؟
هل تتجه مجموعة البريكس نحو كسر هيمنة الدولار وتفكيك النظام الليبرالي الأميركي؟ قمة ريو دي جانيرو تفتح الباب أمام نظام عالمي جديد.. ولكن هل تملك الأدوات الكافية لذلك؟
هل تستطيع مجموعة البريكس إنهاء الهيمنة الأميركية على النظام العالمي؟
من شرق أوكرانيا إلى قطاع غزة، تتسارع التحولات الجيوسياسية في العالم، حاملة معها ملامح نظام عالمي جديد، قد يضع حدًا لعقود من الأحادية القطبية التي هيمنت فيها الولايات المتحدة على المشهد الدولي. وفي هذا السياق، عادت مجموعة البريكس إلى الواجهة، ليس فقط باعتبارها تكتلًا اقتصاديًا ناشئًا، بل كقوة تسعى إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة العالمية.
فهل تستطيع البريكس فعلًا إنهاء الهيمنة الأميركية على النظام العالمي، أم أن الطريق نحو التعددية القطبية لا يزال طويلًا ومعقدًا؟
قمة البريكس 2025: رسائل سياسية تتجاوز الاقتصاد
خلال القمة السابعة عشرة لمجموعة البريكس التي عُقدت في ريو دي جانيرو، ظهر التحول في نبرة الخطاب واضحًا. كلمات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كانت حاسمة، مشيرًا إلى أن "نموذج العولمة الليبرالية قد أصبح من الماضي"، وداعيًا إلى تعزيز التبادل التجاري باستخدام العملات الوطنية بين الدول الأعضاء، في خطوة مباشرة نحو تقليص الاعتماد على الدولار الأميركي.
هذا الطرح لم يأت من فراغ. فهو يعكس مسارًا استراتيجيًا بدأت موسكو في تكريسه منذ سنوات، هدفه تقليل الارتباط الاقتصادي بدول الغرب، خاصة بعد تداعيات الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية المشددة.
هل تسير البريكس نحو إنهاء سيطرة الدولار الأميركي؟
البيان الختامي للقمة لم يكتفِ بالتصريحات الرمزية، بل تبنّى لهجة غير تقليدية، عبّرت عن "قلق بالغ" من السياسات الحمائية التي انتهجها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، خاصة الرسوم الجمركية الأحادية التي تهدد التجارة الدولية.
وفي مقابل ذلك، أكد التكتل على تعزيز التعاون الاقتصادي، وتوسيع نطاق استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، ما يُعد محاولة صريحة للحد من هيمنة الدولار.
لكن هل هذا كافٍ لإزاحة العملة الأميركية من عرشها؟ يرى خبراء أن هذا المسار يتطلب أكثر من مجرد قرارات سياسية، بل يحتاج إلى بنى مالية متكاملة، وثقة دولية مستقرة في بدائل الدولار، وهو ما لا يزال يواجه تحديات حقيقية.
توسع البريكس: رمزية الانضمام وشركاء جدد
من أبرز مخرجات القمة إعلان انضمام إندونيسيا رسميًا إلى البريكس، إلى جانب مشاركة عشر دول كشركاء استراتيجيين، من بينها كوبا والأوروغواي. هذه التوسعات تحمل طابعًا رمزيًا وسياسيًا، يُعزز من طموحات التكتل في التحول إلى "نادي الجنوب العالمي"، الساعي إلى فك التبعية للغرب في مجالات الاقتصاد والتجارة والسيادة السياسية.
الحضور الواسع، الذي شمل ممثلين عن تسع منظمات دولية كبرى، من بينها الأمم المتحدة، يعكس الزخم المتزايد الذي تحظى به البريكس كمنصة بديلة للهيمنة الغربية، ولو على المستوى الخطابي حتى الآن.
التحديات التي تمنع البريكس من تشكيل نظام عالمي جديد
رغم الطموحات الكبيرة، تواجه البريكس تحديات عميقة تمنعها حتى اللحظة من تقديم بديل حقيقي للهيمنة الأميركية على النظام العالمي. من أبرز هذه التحديات:
-
التناقضات الجيوسياسية الداخلية: مثل الخلاف بين الهند والصين، أو التباين في مواقف مصر وإثيوبيا.
-
غياب مظلة أمنية مشتركة: على عكس حلف الناتو، لا تملك البريكس بعدُ تحالفًا عسكريًا يوحّد مواقفها في الأزمات.
-
التفاوت الاقتصادي والسياسي: بين دول ذات اقتصادات عملاقة (كالصين) وأخرى تعاني من أزمات حادة (كجنوب إفريقيا).
وهو ما أكده الدكتور حسان القبي، أستاذ الاقتصاد السياسي، حين أشار إلى أن البريكس "لا تزال تفتقر إلى آليات تحويل زخمها السياسي والاقتصادي إلى قوة فعلية على الساحة العالمية، خاصة في ظل استمرار النفوذ العسكري الأميركي."
الهيمنة الأميركية مستمرة... ولكن التحدي بدأ
يرى محللون أن استمرار القوة الأميركية لا يعني غياب البدائل، لكنّ ظهور هذه البدائل يحتاج إلى وقت، وتراكم تحالفات مستدامة، وقدرة على الاستجابة للتحديات العالمية الأمنية والاقتصادية.
فبينما تملك البريكس ما يكفي من السكان والموارد والقدرات المالية لتكون فاعلًا كبيرًا، فإن ما ينقصها هو الانسجام الاستراتيجي والجرأة السياسية الجماعية لكسر الاحتكار الغربي.
حتى اللحظة، لا تزال الطائرات الأميركية تحلّق في سماء الردع، والدولار يهيمن على المعاملات، والقرارات الدولية تمر عبر واشنطن... لكن مشهد المستقبل قد لا يكون بنفس الثبات.
هل تملك البريكس أدوات الصمود أم ستكتفي بالتنظير؟
في نهاية المطاف، لا يتعلق السؤال فقط بقدرة البريكس على التحدي، بل بمدى استعدادها للصمود والاستمرارية في وجه نظام عالمي متجذر.
التعددية القطبية لا تُمنح... بل تُنتزع.