هل تُعيد صفقة الأسرى في غزة هندسة ميزان الردع الإقليمي؟ التحوّل ال...

MEDIAMAR360

هل تُعيد صفقة الأسرى في غزة هندسة ميزان الردع الإقليمي؟ التحوّل الخفي في المعادلة بين واشنطن وتل أبيب وحماس

بقلم : محمد صدقي
Mon, 13 Oct 2025 18:04:50

🤖 هل تُعيد صفقة الأسرى في غزة هندسة ميزان الردع الإقليمي؟

من غير المرجّح أن تؤدي صفقة تبادل الأسرى في غزة إلى إعادة تشكيل جوهر ميزان الردع الإقليمي، بل تمثّل في جوهرها تهدئة مؤقتة وتكتيكية. ويرى المحللون أن الطبيعة الأمنية للصراع ما تزال على حالها إلى حدٍّ كبير، ويعتقدون أن السلام الدائم سيظل بعيد المنال ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة. وقد جاء هذا التبادل الأخير ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة في أكتوبر 2025، والذي أوقف مؤقتًا حدة القتال وسمح بتدفّق كبير للمساعدات الإنسانية.

أبرز محاور هذا المقال

• الإفراج المتبادل عن الأسرى بين حماس وإسرائيل يمثّل نقطة تحوّل في صراعٍ دام عامين، وسط دخول أميركي مباشر بقيادة دونالد ترامب.
• الصفقة تتجاوز البعد الإنساني لتفتح بابًا لإعادة تعريف “من يحكم غزة” بعد الحرب.
• الخطة الأميركية تقترح إدارة انتقالية دولية وأمنًا عربيًا مشتركًا، في ظل رفض نتنياهو القاطع لعودة السلطة الفلسطينية.
• المؤشرات الميدانية تُظهر انزياحًا استراتيجيًا من الردع العسكري إلى الردع السياسي–الاقتصادي.
• هل يمهّد ذلك لتأسيس “شرق أوسط جديد” تُرسم هندسته في القاهرة وتُنفّذ بوحي من واشنطن؟

عوائل الأسرى الإسرائيليين يحتفلون بعودة أبنائهم
عوائل الأسرى الإسرائيليين يحتفلون بعودة أبنائهم

في لحظة بدت كأنها مقتطعة من مشهدٍ سياسي مكتوب بعناية أميركية، تسلّمت بعثة الصليب الأحمر أول دفعة من الأسرى الإسرائيليين الذين أفرجت عنهم حماس، بينما كانت طائرات ترامب الرئاسية تحطّ في مطار بن غوريون وسط تغطية احتفالية لافتة.
لكن وراء الصورة التي بدت إنسانية الطابع، تدور أسئلة أكثر عمقًا:
هل ما جرى هو مجرد تبادل إنساني أم تحوّل في هندسة الردع والشرعية داخل الإقليم؟
وهل باتت واشنطن تُعيد صياغة معادلة السيطرة في غزة بعد أن فشلت القوة الإسرائيلية وحدها في الحسم؟

🔹من الهدنة إلى إعادة تعريف السيطرة

يشير تقرير معهد الدراسات الأمنية الإسرائيلي (INSS) إلى أن الصفقة الحالية ليست نهاية الحرب بقدر ما هي بداية انتقال إلى "مرحلة ما بعد الحسم العسكري"، حيث يجري اختبار مفهوم جديد: الردع عبر الإدارة المشتركة.
واشنطن تسعى، وفق مصادر في البيت الأبيض نقلتها “Politico”، إلى هندسة سلطة هجينة في غزة تتكوّن من تكنوقراط فلسطينيين بإشراف أمني عربي–دولي، في وقتٍ يرفض فيه نتنياهو أي دور مباشر للسلطة الفلسطينية.
الرسالة الأميركية واضحة: “الأمن أولًا، والسيادة لاحقًا”.

🔹ترامب كفاعل هندسي لا وسيط سلام

يقدّم ظهور ترامب في المشهد باعتباره "الضامن للسلام" قراءة مضلّلة؛ فوفق تحليل مركز Brookings، يسعى ترامب لاستثمار الصفقة في إعادة تثبيت القيادة الأميركية في الشرق الأوسط، بعد سنوات من التراجع في ظل إدارة بايدن.
وجود قوات أميركية لمراقبة وقف النار (نحو 200 جندي) يعيد تفعيل صيغة “النفوذ دون احتلال”، أي أن واشنطن باتت تدير الصراع عبر أطرافها لا عبر وجودها المباشر — وهو انزياح استراتيجي في عقيدة الهيمنة الأميركية.

🔹إسرائيل بين النصر الرمزي والهزيمة البنيوية

من منظور العقيدة العسكرية الإسرائيلية، الإفراج عن الأسرى هو نهاية رمزية للأزمة الداخلية، لكنه في الجوهر يكشف فشلًا استخباراتيًا ممتدًا منذ 2023.
فبعد حرب استنزاف كلّفت تل أبيب أكثر من 67 ألف قتيل فلسطيني دون تحقيق حسم حقيقي، تبدو إسرائيل اليوم مضطرة للقبول بهندسة إقليمية تشارك فيها أطراف عربية ودولية، وهو ما لم يكن واردًا قبل عامين.
يقول الجنرال المتقاعد عاموس يادلين: “انتهت الحرب ميدانيًا، لكن إسرائيل خرجت منها بلا تفوّق رادع”.

🔹حماس بين الشرعية الميدانية والاحتواء السياسي

رغم الخسائر البشرية الهائلة في غزة، حافظت حماس على القدرة التفاوضية كطرف سيادي بحكم الأمر الواقع، وهو ما اعتبره محللون في مركز Chatham House “نقطة تحوّل في تعريف الشرعية الفلسطينية”.
لكن الصفقة تحمل أيضًا بذور الاحتواء البطيء للحركة، عبر مقايضتها بالشرعية السياسية مقابل نزع السلاح التدريجي، في إطار خطة أميركية أوسع لإعادة بناء غزة ضمن مشروع “مارشال الشرق الأوسط”.

🔹الهندسة الخفية للصراع: من الردع العسكري إلى الردع الاقتصادي

المرحلة المقبلة لا تُقاس بعدد الصواريخ بل بحجم التمويل:
إعادة الإعمار الموعودة، التي تُقدّر بمليارات الدولارات، ستتحوّل إلى أداة ضبط استراتيجي بيد واشنطن وحلفائها.
المعادلة الجديدة بسيطة: من يمول، يتحكم.
وهكذا تنتقل الحرب من ساحة النار إلى ساحة البنوك، ومن الردع بالقوة إلى الردع بالاعتماد المالي.

 

صفقة الأسرى ليست نهاية الحرب، بل بداية إعادة برمجة كاملة لمعادلات النفوذ في الإقليم.
بينما يحتفل الشارع الإسرائيلي بعودة مختطفين، ويمسح الفلسطينيون غبار الدمار، يجري في الكواليس تصميم “غزة الجديدة” على طاولة تجمع واشنطن والقاهرة وتل أبيب.
فهل نحن أمام لحظة ولادة نظام أمني–اقتصادي بديل، يطيح بكل شعارات المقاومة والسيادة التقليدية؟
أم أن تحت رماد الهدنة جمرًا من الردع غير المعلن ينتظر الجولة القادمة؟

مقالات ذات الصلة