إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب: خطة وطنية من 6 محاور لإنقاذ النظام ...

MEDIAMAR360

إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب: خطة وطنية من 6 محاور لإنقاذ النظام من الإفلاس وبناء عدالة اجتماعية حقيقية

بقلم : محمد صدقي
Sun, 17 Aug 2025 10:29:43

أبرز محاور هذا المقال

  • الصندوق المغربي للتقاعد يُعاني من عجز تراكمي بلغ 60.3 مليار درهم منذ 2014.
  • فقط 28% من النشطين مغطون بنظام تقاعد رسمي (البنك الدولي).
  • عوائد استثمار أموال المتقاعدين لا تتجاوز 2.9% سنوياً، بينما التضخم يفوق 6%.
  • النقابات تُحذّر من "المساس بالحقوق المكتسبة" وتُهدّد بالتصعيد.
  • نُقدّم خطة وطنية من 6 محاور، مُستوحاة من تجارب دول ناجحة (السويد، تشيلي، سنغافورة)، قابلة للتنفيذ بحلول 2035.
مقر الصندوق المغربي للتقاعد
مقر الصندوق المغربي للتقاعد

في إحدى مكاتب الضمان الاجتماعي، تجلس سيدة في الستينيات من عمرها، تحمل ورقة معاشها الشهري: 3,200 درهم.
تُعدّد المصروفات: دواء، كهرباء، طعام... وتُدرك أن المبلغ لا يكفي لشهر كامل.
لكن خلف معاناتها الفردية، تكمن كارثة وطنية: نظام تقاعد على شفا الانهيار.

 

60 مليار درهم عجزاً، صناديق تُستثمر أموالها بعائدات لا تُغطي التضخم، وحكومة تتردّد بين "الإصلاح" و"الانفجار الاجتماعي".
لم يعد ملف التقاعد في المغرب مجرد بند مالي، بل أحد أكبر التحديات الديمغرافية والاقتصادية التي تواجه الدولة.

 

لكن هل من مخرج؟
نعم، إذا اتخذنا خطوات جريئة، مبنية على العدالة، الكفاءة، والحوار.
هذا ليس تفاؤلاً عبثياً، بل خطة وطنية من 6 محاور، مستوحاة من تجارب دول نجت من الإفلاس، وتُقدّم المغرب فرصة تاريخية لإعادة بناء نظام عادل، مستدام، وشامل.

 

لماذا يُعدّ إصلاح التقاعد في المغرب مسألة بقاء لا اختيار؟

في يوليو 2024، أعلن رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش أن "إصلاح أنظمة التقاعد ضرورة ملحة".
لكن وراء هذا التصريح، تكمن واقعية قاسية: نظام التقاعد المغربي يعيش أزمة وجودية.

 

وبحسب التقرير السنوي للصندوق المغربي للتقاعد (CNR)، فإن:

  • العجز التقني لسنة 2023 بلغ 6.8 مليار درهم.
  • في 2024، ارتفع إلى 7.2 مليار درهم.
  • العجز التراكمي منذ 2014 وصل إلى 60.3 مليار درهم (نحو 6 مليارات دولار).
  • معدل تغطية الالتزامات بالاحتياطيات لا يتجاوز 58%.
 

وأمام هذه الأرقام، لم يعد بالإمكان التذرّع بـ"التأجيل"، أو الاعتماد على "الإصلاحات المعيارية" التي لا تعالج الجذور.

 

جذور الأزمة: عندما يُصبح التقاعد رهينة سوء التدبير وغياب الرؤية

نظام مجزّأ، يُدار بعوائد ضعيفة، ويُغطي قلة قليلة

المشكلة ليست في "النفقات"، بل في الهندسة الهشّة للنظام.
فالمغرب يُعاني من 24 نظاماً مختلفاً للتقاعد، تُديرها جهات متعددة، تفتقر إلى التنسيق، وتُعاني من ضعف الحوكمة.

 

وبحسب البنك الدولي (تقرير أبريل 2024):

"فقط 28% من النشطين اجتماعياً مغطون بنظام تقاعد رسمي، ونسبة التغطية في القطاع غير المهيكل لا تتجاوز 5%".

 

أما متوسط العائد على الاستثمارات، فهو كارثي: 2.9% سنوياً (حسب تقرير CNSS 2023)، بينما التضخم بلغ 6.2% في 2023.
هذا يعني أن أموال المتقاعدين تخسر قيمتها كل عام، رغم أنها مُودعة في صندوق الإيداع والتدبير.

 

وتشير توصيات صندوق النقد الدولي (استعراض 2023) إلى أن:

"الإصلاحات السابقة (2016 و2021) أجلت العجز، لكنها لم تعالج الدين الضمني، مما يهدد الاستدامة المالية على المدى المتوسط".

 

الخطوط الحمراء: هل تُصبح حقوق المتقاعدين مادة تفاوض؟

النقابات تُحذّر: لا مساس بالسن أو المعاشات

في المقابل، ترفض النقابات الكبرى (الاتحاد المغربي للشغل، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الاتحاد العام للشغالين) أي مساس بالحقوق المكتسبة.

 

وقد أكّد خالد السطي، المستشار البرلماني عن الاتحاد الوطني للشغل:

"لا يمكن تحميل الشغيلة أعباء أزمة لم تُسببها. اختلالات الصناديق نتاج سياسات عمومية خاطئة، وسوء تدبير مالي".

 

وتُصرّ النقابات على "خطوط حمراء" لا تُقبل التفاوض حولها:

  • عدم رفع سن التقاعد
  • عدم تقليص نسبة المعاشات
  • الحفاظ على احتساب الأجر المرجعي على آخر 8 سنوات
 

لكن السؤال يظل: هل يمكن الحفاظ على الحقوق دون إفلاس النظام؟
الجواب: نعم، لكن بشرط إعادة بناء النظام من الجذور، لا مجرد تعديل مقاييسه.

 

التجارب الدولية: ماذا تعلّمنا من السويد، تشيلي، وسنغافورة؟

الدول الناجحة لم تُصلح، بل أعادت البناء

لم تنجُ الدول من أزمات التقاعد بالتقشف، بل عبر إعادة التفكير في النموذج نفسه.

 

🇸🇪 السويد: التوحيد أنقذ النظام

  • في التسعينات، واجهت السويد عجزاً في معاشاتها.
  • الحل: توحيد الأنظمة في هيكل مركزي (AP Funds)، مع نظام رسملة جزئي.
  • النتيجة: استقرار مالي، وزيادة الثقة.
 

🇨🇱 تشيلي: الرسملة رفعت التغطية من 20% إلى 75%

  • في الثمانينيات، حوّل النظام من "التوزيع" إلى "الرسملة الفردية".
  • كل عامل يملك حساباً خاصاً يُستثمر فيه.
  • النتيجة: ارتفاع التوفير، لكن مع انتقادات حول التفاوت.
 

🇸🇬 سنغافورة: نموذج CPF يجمع بين العام والخاص

  • نظام CPF (Central Provident Fund) يُجبر العمال على الادخار، مع مساهمة المشغل.
  • العوائد تصل إلى 4.5% سنوياً، ويُستخدم الجزء الفائض في مشاريع وطنية.
  • النتيجة: نظام مالي قوي، ودعم اجتماعي شامل.
 

الخطة الوطنية لإصلاح منظومة التقاعد في المغرب (2025–2035)

بناءً على هذه التجارب، وواقع المغرب الديمغرافي والاقتصادي، نُقدّم خطة وطنية من 6 محاور، قابلة للتنفيذ، وتحترم "الخطوط الحمراء" مع ضمان الاستدامة.

🔹 1. توحيد الأنظمة في صندوق وطني واحد (نموذج السويد)

  • الهدف: إنهاء التجزئة، وتحسين الكفاءة.
  • الآلية: إنشاء الصندوق الوطني للتقاعد (PNN)، هيكل موحد يُدير جميع المعاشات (العامة، الجماعية، المهنية).
  • الفوائد: تقليل التفاوت، تحسين الحوكمة، تسهيل الرقابة.
  • الخطوة العملية: تشكيل لجنة وطنية للاندماج (2025)، تُقدّم خارطة طريق بحلول 2026.
 

🔹 2. الانتقال إلى نموذج هجين: توزيع + رسملة (نموذج تشيلي وسنغافورة)

  • الركن الأول (عام): معاش أساسي مضمون من الدولة (مثل 2,500 درهم شهرياً)، يُغطي الحد الأدنى.
  • الركن الثاني (مختلط): نظام ادخار إلزامي، يُساهم فيه الأجير والمشغل بنسبة 8% لكل منهما (16% إجمالي).
  • الركن الثالث (طوعي): صناديق ادخار مهنية أو فردية، مع إعفاءات ضريبية.
  • التجربة المُستلهمة: نموذج CPF في سنغافورة، الذي يُدرّ عوائد تصل إلى 4.5%.
 

🔹 3. رفع سن التقاعد تدريجياً إلى 63 سنة (نموذج فرنسا وألمانيا)

  • الهدف: التكيف مع ارتفاع متوسط العمر (76.2 سنة في 2023، حسب HCP).
  • الآلية: رفع السن سنة واحدة كل 3 سنوات، من 60 إلى 63 بحلول 2032.
  • الاستثناءات: المهن الشاقة (البناء، التعدين، النقل) تبقى عند 55 سنة.
  • التجربة المُستلهمة: فرنسا رفعت السن إلى 64، رغم الاحتجاجات، لكن النظام أصبح أكثر استدامة.
 

🔹 4. تحسين عوائد الاستثمار إلى 6% على الأقل (نموذج النرويج وكندا)

  • الهدف: وقف "إهدار" أموال المتقاعدين.
  • الآلية:
    • تفويض 30% من الاستثمارات لشركات إدارة أصول مستقلة.
    • توجيه الاستثمارات نحو الطاقة الشمسية، السكك الحديدية، والسكن الاجتماعي.
    • إنشاء "هيئة وطنية للحوكمة المالية للتقاعد".
  • التجربة المُستلهمة:
    • الصندوق النرويجي يُدرّ 7% سنوياً.
    • CPPIB الكندي يُدرّ 6.8% متوسطاً على 10 سنوات.
 

🔹 5. توسيع التغطية إلى 70% من النشطين بحلول 2030

  • الهدف: إدماج العاملين في القطاع غير المهيكل (60% من النشاط).
  • الآلية:
    • نظام اشتراك مرن (من 50 إلى 500 درهم شهرياً).
    • دعم الدولة بنسبة 50% من الاشتراك للمستفيدين من الرشاد أو تمويل مشاريع صغيرة.
    • ربط التسجيل بامتيازات (القروض، التسجيل في المدارس).
  • التجربة المُستلهمة: تونس نجحت في رفع التغطية من 22% إلى 41% عبر نظام "الاقتطاع التدريجي".
 

🔹 6. فتح حوار اجتماعي حقيقي، لا فرض حلول من الأعلى

  • الهدف: تجنّب الاحتجاجات، وبناء توافق وطني.
  • الآلية:
    • تشكيل هيئة وطنية للحوار حول التقاعد تضم:
      • الحكومة
      • النقابات
      • أرباب العمل
      • الخبراء
      • ممثلي المتقاعدين
    • عقد جلسات علنية، ونشر التقارير المالية شهرياً.
  • التجربة المُستلهمة: ألمانيا نجحت في إصلاح 2004 عبر توافق اجتماعي واسع.
 

الخلاصة: الإصلاح ليس خياراً، بل ضرورة وطنية

أزمة التقاعد في المغرب لم تعد قابلة للتأجيل.
الأرقام تُنذر، النقابات تُحذّر، والخبراء يُحذّرون.
لكن الأزمة، في الوقت نفسه، تُعدّ فرصة تاريخية لإعادة بناء نظام عادل، مستدام، وشامل.

 

الدول التي نجحت لم تفعل ذلك بالصدفة، بل عبر:

  • شجاعة سياسية
  • حوكمة شفافة
  • حوار وطني
  • إرادة إصلاح جذري
 

المغرب أمام خياران:

  • إما الاستمرار في المماطلة، ليُفاجأ بانهيار مالي، واحتجاجات شعبية، وربما توقف صرف المعاشات.
  • أو الانطلاق في إصلاح جريء وشامل، يُنقذ النظام، ويُعيد الثقة في الدولة.
 

الوقت ليس في صالحنا.
لكن إذا بدأت اليوم، فربما نُصبح غداً نموذجاً إفريقياً في الحماية الاجتماعية.

 

الإصلاح الجيد لا يُقاس بالمال الذي يُوفره، بل بالكرامة التي يُحافظ عليها.

مقالات ذات الصلة