إيران، إسرائيل وغزة: قراءة تحليلية في اتفاق وقف النار ومآلات الدور...

MEDIAMAR360

إيران، إسرائيل وغزة: قراءة تحليلية في اتفاق وقف النار ومآلات الدور الإيراني في فلسطين

بقلم : محمد صدقي
Tue, 24 Jun 2025 10:21:31
اتفاق وقف النار بين طهران وتل أبيب
اتفاق وقف النار بين طهران وتل أبيب

وقف لإطلاق النار بين إيران وإسرائيل بعد ضربات أمريكية على المنشآت النووية، بينما تبقى غزة خارج المعادلة. كيف تفسَّر هذه المعادلة الغريبة؟ وما الذي تغير في المشروع الإيراني؟

🔷 التهدئة المفاجئة: مشهد غير مألوف في صراع مألوف

في تحول غير متوقع، جاء الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل عقب ضربات عسكرية أمريكية استهدفت منشآت نووية إيرانية، وبمساعدة إسرائيلية مباشرة على المستوى الاستخباراتي والتقني. المثير في الأمر ليس فقط حجم التنسيق العسكري بين واشنطن وتل أبيب، بل الغياب التام لأي إشارة إلى غزة أو القضية الفلسطينية ضمن سياق التهدئة، وهو ما يطرح أسئلة عميقة حول أولويات طهران ومشروعها الإقليمي.


🔷 واشنطن في الواجهة... وتل أبيب في العمق

العملية العسكرية التي استهدفت البنية التحتية النووية الإيرانية جاءت بتوقيع أمريكي مباشر، لكنها لم تكن لتتم دون الغطاء الاستخباراتي الإسرائيلي وشبكة العملاء النشطة داخل إيران. هذه الشبكة – التي طالما حذّرت منها طهران دون أن تتمكن من تفكيكها بالكامل – أظهرت فعالية لوجستية عالية مهدت لضربات دقيقة، وهو ما يثير علامات استفهام حول مدى اختراق الأمن الداخلي الإيراني.


🔷 طهران تتراجع... ولكن إلى أين؟

رد الفعل الإيراني كان محسوبًا إلى درجة غير معهودة. غابت لغة "الرد المدمر" و"سحق المعتدين"، لتُستبدل بقبول ضمني بالتفاوض والتهدئة. من منظور جيوسياسي، قد يكون هذا الموقف نابعًا من قراءة واقعية لموازين القوى، ومن ضغط اقتصادي داخلي متصاعد، ومن خشية فتح جبهة مواجهة مباشرة مع واشنطن وهي في ذروة موسم انتخابي حاد.

لكن ما يثير الريبة أكثر هو أن هذا التراجع تزامن مع استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة دون أن تُبذل جهود حقيقية لربط الملفين. هل أصبحت فلسطين خارج معادلات طهران الاستراتيجية؟ أم أن القضية مجرد أداة ضغط يتم استخدامها عندما تسمح الظروف؟


🔷 القدس في الخطاب... لا في المفاوضات

الخطاب الإيراني طالما قدّم القدس كقضية مركزية "في صلب العقيدة والثورة". لكن تجاهلها في لحظة تفاوضية حساسة كهذه، يُظهر مدى التحول الذي طرأ على الرؤية الإيرانية للقضية الفلسطينية، من مشروع تحريري إلى ورقة سياسية تُرفع عند الحاجة وتُسقط عند اللزوم.

التهدئة الحالية تكشف هذا الانفصام بوضوح: دعم لفظي دائم، مقابل غياب شبه تام في المسار العملي، خصوصًا في أوقات الأزمات الكبرى.


🔷 ليست إيران وحدها... بل النظام العربي كله

رغم أن إيران تُلام كثيرًا على ازدواجية خطابها، إلا أن المشهد الأوسع يُظهر أن معظم الدول العربية – باستثناء حالات نادرة مثل اليمن – تتعامل مع القضية الفلسطينية بعقلية "التحكم في الرصيد العاطفي" أكثر من الالتزام السياسي الحقيقي. الشعارات حاضرة في المؤتمرات، بينما التطبيع، أو الصمت، هو اللغة السائدة في الواقع.


🔷 اليمن: الاستثناء الذي يفضح القاعدة

في خضم هذا المشهد المتناقض، يبرز اليمن كمثال نادر على خطاب أكثر تماسكًا بين القول والفعل. فالدعم الميداني العلني للفصائل الفلسطينية، واستهداف مصالح إسرائيلية في البحر الأحمر، يعكس انسجامًا – حتى لو محدودًا – بين الشعارات والممارسة. وهو ما يضع الأنظمة الأخرى، بما فيها طهران، أمام سؤال أخلاقي وسياسي لا يمكن القفز عليه: ما هي القيمة الحقيقية للقدس في المعادلة الإقليمية الراهنة؟


🧭 خلاصة تحليلية: هل نحن أمام مرحلة ما بعد فلسطين؟

إن الاتفاق بين إيران وإسرائيل، بوساطة أمريكية، دون أي إشارة لغزة، يشير إلى انزياح تدريجي للقضية الفلسطينية من مركز الاهتمام الإقليمي إلى هامشه. ما يجري ليس فقط تفاهما عسكريًا، بل إعادة صياغة للتحالفات الإقليمية، حيث تتقدّم أولويات البقاء والمصالح على حساب المبادئ الثورية والشعارات التحريرية.

السؤال الآن: هل ستظل فلسطين مجرد بند في خطابات الجمعة، أم أن قوى جديدة – مثل اليمن أو قوى شعبية أخرى – ستعيدها إلى مركز المعادلة؟

مقالات ذات الصلة