نتنياهو وسياسة "اكذب حتى يصدقوك": كيف يُستخدم الكذب كسلاح في حرب إبادة غزة؟
أبرز محاور هذا المقال
- نتنياهو ينكر المجاعة في غزة رغم صور الأطفال الجياع وتقارير الأمم المتحدة.
- اتهامات لوسائل الإعلام بنشر "أكاذيب" وعرض صور بعنوان "مزيف" في مؤتمر صحفي.
- تحليل لاستراتيجية التضليل الإسرائيلية ومقارنتها بمقولة "اكذب و اكذب حتى يصدقوك".
- استشهادات بتقارير منظمة الصحة العالمية، أوكسفام، والمحكمة الجنائية الدولية.
- آراء محللين سياسيين: د. مهند مصطفى، د. غازي الحسيني، ود. نضال الشريف.
- كيف تُستخدم الرواية الإعلامية كأداة حرب نفسية ضد الشعب الفلسطيني؟
- لماذا فشلت استراتيجية نتنياهو في إقناع الرأي العام العالمي؟
هل يمكن لرئيس دولة أن يقف أمام الكاميرات، ويُظهر صوراً لأطفال يموتون جوعاً، ثم يقول ببساطة: "هذه صور مزيفة"؟
هل يمكن لقائد يُتهم بارتكاب جرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية أن يُلقّب نفسه بـ"ضحية الإعلام العالمي"؟
هذا بالضبط ما فعله بنيامين نتنياهو في مؤتمره الصحفي الأخير، حيث حاول تفنيد "الكذب ضد إسرائيل"، بينما كانت صور الموت الجماعي في غزة تنتشر في كل وسائط الإعلام.
لكن السؤال الأهم: هل يُصدقه أحد؟
في هذا المقال التحليلي، نغوص في عمق استراتيجية التضليل الإسرائيلية، ونُحلّل كيف أصبح الكذب المتكرر سلاحاً موازياً للقصف والتجويع في حرب الإبادة على غزة.
🔍 نتنياهو وسياسة "اكذب حتى يصدقوك": هل نجحت هذه الاستراتيجية في حرب غزة؟
في مؤتمر صحفي شديد التوتر، وقف بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، ليُعلن أن "ما يحدث في غزة ليس مجاعة، بل أكاذيب تنشرها حماس عبر الإعلام العالمي".
ثم عرض صوراً لضحايا الجوع، وكتب فوقها بخط كبير: "مزيف".
في تلك اللحظة، لم يكن نتنياهو يُنكر فقط واقع المجاعة، بل كان يُجسّد استراتيجية دعائية قديمة: "اكذب و اكذب حتى يصدقوك" — مقولة نسبها البعض إلى جوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازي.
لكن هذه المرة، لا يُستخدم الكذب لإخفاء هزيمة، بل لتبرير إبادة جماعية.
إقرأ أيضًا:
📉 الواقع الميداني في غزة: بين الكذب الرسمي والشهادات الحية
رغم إنكار نتنياهو، فإن الواقع على الأرض يُناقض روايته تماماً.
وفق تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية (WHO) في أبريل 2024، فإن أكثر من 85% من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وسط نقص حاد في المياه، الأدوية، والغذاء.
أفادت منظمة أوكسفام بأن طفل فلسطيني يموت كل 10 دقائق في غزة بسبب سوء التغذية أو نقص الرعاية الطبية.
تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) كشفت أن نحو 1.9 مليون شخص نازحون داخلياً، و90% من المباني في غزة دُمّرت جزئياً أو كلياً.
لكن نتنياهو، بدل أن يعترف بكارثة إنسانية تُرتكب باسم "إسرائيل"، يُحمّل حماس مسؤولية كل شيء، حتى توزيع المساعدات التي تمنعها إسرائيل من الدخول.
🎯 تبرئة الذات وتحميل الآخرين: آليات التضليل في الخطاب الإسرائيلي
يُعدّ نقل التهمة إلى الطرف الآخر أداة أساسية في خطاب نتنياهو. فهو لا يقول فقط إن "حماس تسرق المساعدات"، بل يُكرر أن "الأمم المتحدة ترفض توزيعها"، رغم أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNRWA) نفت ذلك جملة وتفصيلاً.
في تحليله، يرى الدكتور مهند مصطفى، المدير التنفيذي لمؤسسة الدراسات الفلسطينية (IPS)، أن:
"إسرائيل تستخدم نموذجاً دعائياً ثلاثي الطبقات: أولاً، إنكار الواقع. ثانياً، تجريم الضحية. ثالثاً، تقديم نفسها كضحية للدعاية المعادية. هذا النموذج مستخدم منذ 1948، لكنه بلغ ذروته في حرب 2023-2024".
ويضيف:
"الهدف ليس فقط إقناع الجمهور الإسرائيلي، بل تثبيط الضغط الدولي، وتبرير استمرار الحرب".
📰 هل صور المجاعة في غزة مزيفة؟ تحليل تقارير وسائل الإعلام
عندما يعرض نتنياهو صوراً من تغطية "نيويورك تايمز" أو "الجزيرة" ويشير إليها بـ"مزيفة"، فإنه لا يُكذّب وسيلة إعلام واحدة، بل يُهاجم مصداقية الصحافة العالمية برمتها.
لكن تقرير نشرته لجنة حماية الصحفيين (CPJ) في مارس 2024، كشف أن:
72 صحفياً قُتلوا في غزة منذ أكتوبر 2023، وهو أعلى رقم في تاريخ الصراع.
معظمهم كانوا يعملون مع وسائل إعلام معروفة بمعايير صارمة (AP، Reuters، Al Jazeera).
لم يُثبت أي تحقيق دولي تزويراً في تقاريرهم عن المجاعة.
كما أصدرت مؤسسة "بيو" للبحوث الإعلامية دراسة أكدت أن:
"الصور التي تُنشر من غزة تُخضع لتدقيق شديد قبل النشر، وغالباً ما تُوثّق عبر نظام GPS، وتُحلّل ببرامج كشف التزوير".
إذاً، الادعاء بأن الصور مزيفة هو ادعاء بلا دليل، بل هو محاولة لـقتل الشاهد قبل قتل الضحية.
⚖️ المحكمة الجنائية الدولية ومسؤولية نتنياهو: هل سيُحاسب؟
في فبراير 2024، طلبت المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية، كارمن بنسودا، إصدار أوامر اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه يوآف جالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك:
التجويع كوسيلة حرب.
القتل الجماعي المدنيين.
التشريد القسري.
وأكد تقرير هيومن رايتس ووتش أن:
"الحصار المفروض على غزة يُعدّ انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني، ويشكل جريمة حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي".
رغم ذلك، لا يزال نتنياهو يُواصل خطابه التضليلي، معتقداً أن الدعم الأمريكي سيحميه إلى الأبد.
🌍 فشل استراتيجية الكذب: لماذا لم يصدقه العالم؟
رغم كل محاولات التضليل، فإن الرأي العام العالمي لم يُصَدّق نتنياهو.
احتجاجات ضخمة في لندن، باريس، نيويورك، وسيدني.
برلمانات أوروبية تطالب بحظر الأسلحة لإسرائيل.
جامعة الدول العربية تُقدّم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن.
كما يرى الدكتور غازي الحسيني، أستاذ الإعلام في الجامعة اللبنانية:
"العصر الرقمي قلّص قدرة الدول على التحكم بالسرد. عندما يُشاهد العالم طفلاً يُدفن بثياب منقوعة بالدم، فإن كل خطاب نتنياهو يصبح غير ذي جدوى. الكذب لم يعد كافياً في زمن الـ TikTok والـ Instagram".
🧠 الكذب كأداة حرب نفسية: رأي المحلل السياسي د. نضال الشريف
في مقابلة مع قناة "الميادين"، قال الدكتور نضال الشريف، الخبير في العلاقات الدولية:
"إسرائيل تدرك أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل في العقول. لذلك، تُوظف الكذب ليس لإخفاء الجريمة، بل لتأخير العقاب. كل يوم يمر دون محاسبة هو يوم إضافي للقصف".
ويضيف:
"الكذب المستمر يُستخدم لخلق حالة من التشويش الأخلاقي، حيث يتساءل البعض: &هل فعلاً هناك مجاعة؟ أم أن حماس تُضخم الأوضاع؟& — هذه الشكوك هي ما تريده إسرائيل".
📌 خلاصة: الكذب لم يعد سلاحاً ناجعاً
رغم أن نتنياهو قد يُقنع جزءاً من الجمهور الإسرائيلي، إلا أن استراتيجية "اكذب و اكذب حتى يصدقوك" بدأت تنهار.
العالم يرى، ويسمع، ويُسجّل.
الصور الحية من غزة، شهادات الأطباء، تقارير المنظمات، كلها تُشكل مكتبة رقمية للجريمة، لا يمكن محوها.
وقد يكون الوقت قد حان، ليس فقط لمحاسبة نتنياهو، بل لإسقاط المنظومة التي تُنتج الكذب كسياسة دولة.