ارتفاع حالات انتحار الجنود الإسرائيليين 2025: هل تُعدّ صدمة الحرب ...

MEDIAMAR360

ارتفاع حالات انتحار الجنود الإسرائيليين 2025: هل تُعدّ صدمة الحرب في غزة سببًا مباشرًا للانهيار النفسي في صفوف الجيش؟

بقلم : محمد صدقي
Mon, 01 Sep 2025 20:26:12

أبرز محاور هذا المقال

  • جندي إسرائيلي ينتحر داخل قاعدة عسكرية شمال إسرائيل، ليصبح الضحية الثامنة عشرة في صفوف الجيش منذ بداية 2025.
  • جيش الاحتلال يعترف بأن "الصدمة القتالية في غزة" هي السبب الرئيسي لزيادة الانتحار بين الجنود النظاميين والاحتياطيين.
  • تقرير "هآرتس": يوليو 2025 شهد 7 حالات انتحار في صفوف الجيش، في أعلى معدل شهري خلال العقد الماضي.
  • خبراء نفسانيون وعسكريون يحذرون من "أزمة نفسية هيكلية" تهدد الاستقرار الداخلي للجيش الإسرائيلي.
  • الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية تُحذران من "وباء صحي نفسي" يضرب المجتمعات المنخرطة في حروب طويلة الأمد.
  • ما وراء الانتحار: تداعيات إنسانية، قانونية، وأخلاقية تُعيد طرح سؤال المسؤولية عن الإبادة الجماعية في غزة.
جندي إسرائيلي يضع رأسه على مدفع عسكري في موقف ينم عن الإرهاق، الحزن، أو الصدمة النفسية.
جندي إسرائيلي يضع رأسه على مدفع عسكري في موقف ينم عن الإرهاق، الحزن، أو الصدمة النفسية.

في قاعدة عسكرية شمالي إسرائيل، وجد جندي من لواء غولاني ميتًا، بعد أن أنهى حياته بيديه. لم تُكشف تفاصيل الواقعة، لكن ما كشفه الإعلام العبري كان أكثر إثارة للقلق: هذا الجندي هو الضحية الثامنة عشرة من عسكريي جيش الاحتلال الذين انتحروا منذ مطلع العام 2025. لم يكن مجرد حادث فردي، بل جرس إنذار يدقّ في أروقة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، التي بدأت تعترف بصوت خافت بأن "الحرب في غزة" قد تكون السبب الجذري وراء انهيار نفسي جماعي يتفشى داخل صفوف جنودها.

ارتفاع حالات انتحار الجنود الإسرائيليين 2025: هل تُعدّ صدمة الحرب في غزة سببًا مباشرًا للانهيار النفسي في صفوف الجيش؟

🔹 الحدث المركزي: انتحار جندي غولاني يُفجّر أزمة داخل المؤسسة العسكرية

في 14 أبريل 2025، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، عبر هيئة البث العبرية، عن انتحار جندي من لواء غولاني داخل قاعدة عسكرية شمال البلاد. لم يُكشف عن اسمه، ولا عن ظروف الواقعة، لكن ما كُشف عنه كان أكثر إثارة: عدد حالات الانتحار في صفوف الجيش وصل إلى 18 حالة منذ بداية العام، وهو رقم يفوق بكثير المعدلات السابقة، ويُنذر بانهيار نفسي هيكلّي داخل المؤسسة العسكرية.

الشرطة العسكرية فتحت تحقيقًا في الحادث، على أن تُحال النتائج لاحقًا إلى النيابة العسكرية، لكن السؤال الذي يطرحه المحللون ليس "كيف" حدث الانتحار، بل "لماذا" أصبح الانتحار ظاهرة متكررة بين جنود جيش يُعدّ من أكثر الجيوش تدريبًا وتكنولوجياً في الشرق الأوسط؟

🔹 السياق السياسي والقانوني: عندما تُصبح الحرب عقابًا نفسيًا

الانتحار ليس جريمة في القانون الإسرائيلي، لكنه يُعدّ مؤشرًا خطيرًا على فشل الأنظمة الوقائية. في هذا السياق، لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، والتي وصفتها الأمم المتحدة بأنها "أحد أسوأ الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين".

وفق تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO)، فإن الجنود الذين يشاركون في عمليات قتالية طويلة الأمد، خاصة في البيئات الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية، يكونون أكثر عرضة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بنسبة تصل إلى 30%، مقارنة بنسبة 5-10% في الجيوش التقليدية.

لكن الأهم من ذلك هو البُعد القانوني: إذ تُشير اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 إلى أن "الإضرار الشديد بالصحة الجسدية أو العقلية لمجموعة من الناس" يُعدّ جريمة إبادة جماعية. وفي هذا السياق، يطرح الباحث في القانون الدولي بجامعة تل أبيب، الدكتور يوآف هيرشوف، سؤالًا صادمًا:

"هل يمكن أن تكون الدولة التي تُطبّق سياسات تؤدي إلى تدمير صحة جنودها وعقولهم، هي نفسها دولة تُرتكب من خلالها جرائم ضد الإنسانية؟" 

🔹 تحليل الأبعاد: ما وراء الرقم 18 – تداعيات الانتحار على الصعيدين المحلي والوطني

البعد المحلي: مجتمع يُعاني من صدمة جماعية
في المجتمع الإسرائيلي، لم تعد الحرب مجرد حدث عسكري، بل أصبحت حالة وجودية. حسب دراسة نشرها مركز تل أبيب للبحوث الأمنية (INSS) في مارس 2025، فإن 68% من الجنود العائدين من جبهة غزة يعانون من أعراض نفسية حادة، تشمل الهلوسة، الأرق المزمن، والانفصال عن الواقع.

العائلات الإسرائيلية تشهد انهيارًا داخليًا: الطلاق يرتفع بنسبة 40% بين الجنود العائدين، وفق معطيات وزارة الرفاه. كما أن الشباب اليهودي بدأ يرفض الخدمة الإلزامية، حيث سجّلت وزارة الدفاع انخفاضًا بنسبة 12% في معدلات التطوع للخدمة في 2025 مقارنة بـ2023.

البعد الوطني: هل يُهدّد الانهيار النفسي استقرار الدولة؟
الجيش الإسرائيلي لم يعد فقط جهازًا عسكريًا، بل ركيزة أساسية في الهوية الإسرائيلية. لكن مع تصاعد حالات الانتحار، يبدأ السؤال: هل ما زال الجيش قادرًا على الوفاء بدوره؟

اللواء دادو بار كاليفا، رئيس شعبة القوى البشرية في الجيش، أعلن في يوليو 2024 تشكيل لجنة لدراسة "الدعم النفسي للجنود المسرّحين"، بعد انتحار النقيب يوسف حاييم (28 عامًا)، الذي عانى من صدمة حادة إثر مشاركته في معارك دير البلح وشمال غزة.

لكن كما يرى المحلل العسكري عاموس هارئيل في صحيفة "هآرتس":

"الجيش يعالج الأعراض، وليس المسبب. طالما استمرت الحرب، فلن تنفع العيادات النفسية في وقف الانتحار". 

🔹 البعد الدولي: هل يُعدّ هذا انهيارًا لنظام عسكري نموذجي؟

على المستوى الدولي، يُنظر إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي كواحد من أقوى الجيوش في العالم، مدعومًا بتكنولوجيا أمريكية متطورة وتمويل ضخم. لكن ما يحدث من انهيار نفسي داخلي يُعيد طرح سؤالًا استراتيجيًا: هل يمكن لجيش أن ينتصر عسكريًا ويخسر إنسانيًا ونفسيًا؟

تقرير صادر عن معهد بروكينغز في واشنطن (مارس 2025) حذّر من أن "الانهيار النفسي في صفوف الجيوش الحديثة قد يكون أكثر تهديدًا من الخسائر القتالية"، خاصة في الحروب غير المتناظرة مثل تلك الدائرة في غزة.

وأشار التقرير إلى أن الجيش الأمريكي نفسه سجّل 582 حالة انتحار في 2023، ما دفع البنتاغون إلى إطلاق "مخطط صحة نفسية 2025"، يُعدّ نموذجًا لم يكن متاحًا لجيش الاحتلال.

🔹 البعد النفسي-التكنولوجي: عندما تُصبح الحرب "مُصنّعة للصدمة"

الحرب في غزة لم تكن تقليدية. كانت حربًا حضرية، شاملة، وطويلة الأمد. الجنود عاشوا لأسابيع في أنفاق مظلمة، وواجهوا مشاهد تفجيرات، أطفال مقطّعي الأطراف، ونساء يصرخن تحت الأنقاض. وفق تقرير لـ جمعية الطب النفسي الأمريكية (APA)، فإن "التعرض المتكرر لمشاهد العنف الجماعي" يُعدّ من أقوى المحفزات للاكتئاب الشديد والانتحار.

الأمر لم يقتصر على الواقع، بل توسّع ليشمل الواقع الرقمي: جنود يستخدمون طائرات مُسيرة، يراقبون عمليات قصف عبر شاشات، ويُدمرون أحياء بكاملها من على بعد مئات الكيلومترات. هذا الفصل بين الفعل والنتيجة يُولّد ما يُعرف بـ"الانفصام الأخلاقي"، وفق عالم النفس الدكتور رونالد فينكل من جامعة هارفارد.

"الجندي يرى على الشاشة &نقطة حمراء& تختفي بعد الضربة، لكنه لا يرى الجثث، ولا الدماء، ولا الصراخ. ثم يعود إلى بيته، ويفاجأ بأن تلك النقطة كانت طفلًا. هنا تبدأ الصدمة". 

🔹 الانتحار كمؤشر: ماذا يحدث في غزة؟

بينما يُنتحر الجنود الإسرائيليون، تستمر الإبادة الجماعية في غزة. وفق تقارير الأمم المتحدة، استُشهد 63,557 فلسطينيًا، بينهم أكثر من 30,000 طفل، وجرح 160,660 آخرون. كما تشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي (WFP) إلى أن 348 فلسطينيًا ماتوا بسبب المجاعة، بينهم 127 طفلًا.

لكن ما لا يُقال غالبًا: الفلسطينيون أيضًا ينتحرون. تقرير صادر عن وزارة الصحة في غزة (مارس 2025) كشف عن ارتفاع بنسبة 200% في حالات الانتحار بين الشباب خلال العام الماضي، خاصة بين من فقدوا عائلاتهم أو بُترت أطرافهم.

هنا، تتشابك الصدمات: جندي إسرائيلي يُقتل نفسيًا بسبب ما فعله، وطفل فلسطيني يُقتل نفسيًا بسبب ما حدث له. الحرب لا تصنع أبطالًا فقط، بل تُنتج جيلًا كاملاً من الجرحى النفسيين.

🔹 خاتمة: هل نحن أمام كارثة إنسانية مزدوجة؟

الرقم 18 ليس مجرد إحصائية، بل رسالة من داخل جيش يُفترض أنه "الأقوى في الشرق الأوسط". رسالة تقول: الحرب تدمّر من يشنّها، قبل أن تدمّر من يُحارب.

الانتحار لم يعد ظاهرة فردية، بل مؤشر على فشل سياسي واستراتيجي وأخلاقي. فمتى تدرك الدول أن لا انتصار حقيقي يمكن أن يُبنى على الركام والدمار؟ ومتى تُفتح العيادات النفسية قبل اندلاع الحروب، وليس بعدها؟

ربما لن تُوقف حالات الانتحار بإعلان هدنة، لكنها قد تكون البداية الوحيدة لإنقاذ الأرواح — سواء في غزة أو في صفوف الجنود الإسرائيليين.

لأن الحرب لا تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تبدأ بوقف الجنون. 

مقالات ذات الصلة