الجيل Z في المغرب يحتج: بين إنفاق الملاعب وتدهور النظام الصحي قبيل...

MEDIAMAR360

الجيل Z في المغرب يحتج: بين إنفاق الملاعب وتدهور النظام الصحي قبيل كأس العالم 2030

بقلم : محمد صدقي
Sun, 28 Sep 2025 22:13:42

أبرز محاور هذا المقال

  • خرج آلاف الشباب المغاربة في أكبر احتجاجات منذ سنوات رفضًا لـ "سوء أولويات الحكومة".

  • الاستثمار في الملاعب استعدادًا لمونديال 2030 يثير غضبًا بسبب انهيار القطاع الصحي.

  • وفاة 8 نساء في مستشفى أكادير فجّرت الغضب الشعبي.

  • جيل Z يقود المظاهرات عبر TikTok وDiscord، بعيدًا عن الأحزاب التقليدية.

  • خبراء يحذّرون من أن "دبلوماسية الملاعب" قد تهدد استقرار المغرب وصورته الدولية.

قوات عمومية أثناء فض التظاهرات المنددة بالسياسات العمومية للحكومة المغربية
قوات عمومية أثناء فض التظاهرات المنددة بالسياسات العمومية للحكومة المغربية

في مشهد غير مألوف منذ سنوات، خرج آلاف الشباب المغاربة إلى الشوارع في أكثر من 11 مدينة كبرى، من الدار البيضاء إلى مراكش، للاحتجاج على ما وصفوه بـ "الاختلال الصارخ في أولويات الدولة". فبينما تُضخ مليارات الدراهم في مشاريع بناء وتجديد الملاعب استعدادًا لكأس العالم 2030 وكأس الأمم الإفريقية، يعاني النظام الصحي من انهيار خطير تُرجم في حوادث مأساوية، مثل وفاة ثماني نساء أثناء الولادة في مستشفى عمومي بأكادير. هنا يطرح السؤال الحرج: هل الملاعب أهم من المستشفيات؟

الإنفاق الرياضي في صدارة الأولويات

المغرب يستعد ليكون شريكًا في استضافة كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال. ولهذا الغرض، يشرع في بناء ثلاثة ملاعب جديدة وتجديد أو توسعة أكثر من ستة ملاعب قائمة، وفق أرقام وزارة الرياضة. هذه الاستثمارات، التي تقدّر بمليارات الدراهم، تهدف إلى تعزيز صورة المغرب كقوة صاعدة في تنظيم التظاهرات الكبرى.

لكن في المقابل، يتساءل مواطنون عن معنى هذه الاستثمارات في بلد لا يزال متوسط نصيب الفرد فيه من الخدمات الصحية بعيدًا عن المعايير الدولية. منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن المغرب لا يتوفر سوى على 7.7 أطباء لكل 10 آلاف نسمة، وهو أقل بكثير من المعدل الموصى به وهو 25 طبيبًا لكل 10 آلاف نسمة. والأسوأ أن مناطق مثل أكادير لا تتعدى فيها النسبة 4.4 أطباء لكل 10 آلاف نسمة.

المفارقة الصارخة: ملاعب فاخرة مقابل مستشفيات منهارة

أحد الشعارات الأكثر تداولًا في الاحتجاجات كان: "الملاعب هنا… لكن أين المستشفيات؟"، وهو شعار يلخص المفارقة التي تغذي الغضب الشعبي.

الخبير الاقتصادي المغربي نجيب أقصبي يرى أن هذا الوضع يعكس "خللًا هيكليًا في السياسات العمومية"، إذ يوجّه التمويل نحو مشاريع ذات رمزية سياسية ودبلوماسية أكثر من تركيزه على البنية التحتية الاجتماعية. في تصريح له لمجلة "Economia" اعتبر أن "الرياضة صناعة مهمة، لكنها لا يمكن أن تكون على حساب القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطن مباشرة، مثل الصحة والتعليم".

البعد الاجتماعي والسياسي: شباب الجيل Z في الواجهة

المميز في هذه الموجة من الاحتجاجات أنها قادها شباب الجيل Z (المولودون بين 1995 و2010)، الذين يشكلون أكبر شريحة ديمغرافية في المغرب. هؤلاء الشباب نظموا تحركاتهم عبر منصات مثل TikTok وDiscord بعيدًا عن النقابات أو الأحزاب التقليدية، وهو ما يمنحها ديناميكية جديدة تشبه احتجاجات نيبال أو الجزائر 2019.

يقول الباحث في العلوم الاجتماعية المهدي لعرج: "جيل Z في المغرب يعيش إحباطًا متزايدًا، فهو متعلم ومرتبط بالعالم عبر الإنترنت، لكنه يفتقد لفرص العمل الجيدة والخدمات الأساسية. لذلك، فإن أي رمز للتبذير أو سوء الأولويات يتحول سريعًا إلى شرارة غضب جماعي".

مؤشرات الانهيار الصحي

لم تأتِ الاحتجاجات من فراغ. فالمستشفيات العمومية تشهد ضغطًا غير مسبوق، مع تراجع الموارد البشرية وارتفاع حوادث الإهمال الطبي. حادثة وفاة ثماني نساء في مستشفى عمومي بأكادير شكّلت نقطة تحول في الغضب الشعبي.

وفق تقرير للمجلس الأعلى للحسابات (2024)، فإن 40% من المستشفيات الإقليمية تعاني نقصًا حادًا في الأطباء المتخصصين، بينما يظل معدل وفيات الأمهات في المغرب (72 وفاة لكل 100 ألف ولادة) أعلى بكثير من المعدل المستهدف من قبل منظمة الصحة العالمية (30 وفاة).

خطاب الحكومة ومحاولة التبرير

الحكومة المغربية، بقيادة رئيس الوزراء عزيز أخنوش، دافعت عن سياساتها. أخنوش، وهو أيضًا رئيس بلدية أكادير، قال في كلمة برلمانية هذا الشهر: "لقد أطلقنا إصلاحات كبرى في الصحة، ورفعنا حجم الإنفاق، ونحن بصدد بناء مستشفيات في جميع جهات المملكة. مستشفى أكادير يعاني مشاكل منذ 1962، ونحن نعمل على حلها".

وزير الصحة أمين الطراوي بدوره حاول امتصاص الغضب، فأقال مدير مستشفى أكادير وعددًا من مسؤولي الصحة الإقليميين بعد الحادثة الأخيرة. لكن ناشطين يرون أن هذه الإجراءات "مسكنات" لا تعالج جوهر الأزمة.

البعد الدولي: صورة المغرب تحت المجهر

مع اقتراب مونديال 2030، يراقب المجتمع الدولي الوضع في المغرب. مركز "كارنيغي للشرق الأوسط" نشر مؤخرًا ورقة بحثية حذّر فيها من أن "استمرار الغضب الاجتماعي قد يضعف قدرة المغرب على الاستفادة دبلوماسيًا من استضافة كأس العالم". وأضاف أن "التناقض بين صورة الملاعب الحديثة والواقع الاجتماعي المتدهور سيشكل معضلة في التسويق السياسي للدولة".

الانعكاسات المحتملة

إذا استمر هذا الاتجاه، فإن المغرب قد يواجه سيناريوهين متناقضين:

  1. نجاح رياضي ودبلوماسي يعزز صورة المملكة في الخارج، لكنه يخفي أزمات اجتماعية قابلة للانفجار.

  2. تصاعد الاحتجاجات وتحولها إلى حراك أوسع يعيد للأذهان مشاهد "الربيع العربي"، خاصة إذا لم تتم معالجة القضايا الجوهرية للصحة والتعليم والبطالة.

الاحتجاجات الأخيرة ليست مجرد غضب عابر، بل تعبير عن أزمة ثقة بين جيل جديد والدولة. فبينما تراهن الحكومة على الملاعب والمهرجانات لتلميع صورتها، يطالب الشباب بإصلاح النظام الصحي، تحسين التعليم، وتوفير فرص عمل حقيقية. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل ستلتقط الدولة هذه الإشارات قبل أن تتحول إلى موجة أوسع من السخط الاجتماعي، أم ستواصل رهاناتها على "دبلوماسية الملاعب"؟

مقالات ذات الصلة