هبوط الذهب وسط عاصفة الفيدرالي وتوترات غزة وأوكرانيا
🤖 ما الأسباب الرئيسية وراء تراجع أسعار الذهب في نوفمبر 2025 رغم التصاعد الجيوسياسي العالمي؟
تشير تقارير مالية لشهر نوفمبر 2025 إلى أن أسعار الذهب تشهد انخفاضًا في الآونة الأخيرة بسبب عمليات جني الأرباح من قبل المستثمرين، إلى جانب التصريحات المتشددة الصادرة عن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، ما أدى إلى تراجع توقعات خفض الفائدة. ويأتي هذا الهبوط بعد موجة صعود قوية كان قد أشعلها تصاعد التوترات الجيوسياسية، بما في ذلك الصراع في غزة وأوكرانيا، إلى جانب حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي.
🎧 الملخص الصوتي
أبرز محاور هذا المقال
-
تراجع أسعار الذهب جاء نتيجة مزيج معقّد بين ارتفاع الدولار وتقلص رهانات خفض الفائدة.
-
تصريحات مسؤولي الفيدرالي تعكس انقسامًا داخليًا ومخاوف حقيقية من التضخم “الساخن”.
-
الحرب في غزة والتوتر في البحر الأحمر يعيدان تشكيل خريطة المخاطر الجيوسياسية.
-
صراع أوكرانيا والعقوبات على روسيا يزيد تقلبات أسواق الطاقة والسلع.
-
الصين تتقدم في صمت لبناء نظام مالي بديل يقلل الاعتماد على الدولار.
-
الذهب يربح على المدى الطويل رغم الهبوط اللحظي بسبب تفاقم هشاشة النظام العالمي.
لم تعد حركة الذهب في الأسواق العالمية مجرّد انعكاس لمؤشرات اقتصادية أو توقعات الفيدرالي كما جرت العادة؛ فالمشهد اليوم يتشكّل فوق أرضية جيوسياسية مضطربة تتداخل فيها حرب غزة، والتوتر في البحر الأحمر، وتصعيد المواجهة في أوكرانيا، والتنافس الأميركي–الصيني. وبينما يبحث المستثمرون عن ملاذات آمنة، يقف الذهب في مفترق حساس يوازن بين ضغط الدولار القوي ومخاوف الحرب الممتدة. هذا المقال يقدّم قراءة تحليلية معمّقة تكشف كيف أصبحت أونصة الذهب مرآة لصراع النفوذ الدولي أكثر من كونها مجرد أداة استثمارية.
شهدت أسواق الذهب خلال تداولات الجمعة انخفاضًا ملحوظًا في الأسعار، رغم مكاسب أسبوعية طفيفة عكست توازنًا هشًّا بين ضغوط السياسة النقدية الأميركية والمشهد الجيوسياسي العالمي المتوتر. وبرغم أن الذهب عادة يُنظر إليه كملاذ آمن في أوقات الاضطراب، إلا أن قوة الدولار وتقلص توقعات خفض الفائدة أوجدتا ديناميكية غير اعتيادية دفعت المستثمرين لإعادة تقييم سلوك الأصول التقليدية في فترة تُعد من أكثر المراحل اضطرابًا خلال العقد الأخير.
■ الفيدرالي الأميركي… صانع التقلبات الكبرى
عودة حالة عدم اليقين بشأن سياسة الاحتياطي الفيدرالي تُعد السبب المباشر في تذبذب الذهب. ووفق أداة “فيد ووتش” التابعة لمجموعة CME، تراجعت احتمالات خفض الفائدة في اجتماع ديسمبر إلى 53.6% فقط بعد أن كانت 94.4% قبل شهر واحد، مقابل ارتفاع احتمالات تثبيت الفائدة إلى 46.4%.
هذا التحول لم يكن تقنيًا بحتًا؛ بل يعكس صراعًا داخل الفيدرالي ذاته بين "الصقور" و"الحمائم".
إقرأ أيضًا:
فقد صرّح جيفري شميد، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، بأن التضخم “أعلى بكثير” من المستويات المقبولة، مُلمّحًا إلى إمكانية معارضته أي خفض جديد للفائدة. هذه النبرة الحذرة تشير إلى أن الفيدرالي يرى أن التضخم ناتج من عوامل هيكلية لا يمكن تسويتها تنازليًا بسرعة، خاصة مع تذبذب سلاسل الإمداد العالمية وتصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية.
ويرى الخبير الاقتصادي الأميركي جون كينورثي أن الفيدرالي يستخدم الفائدة اليوم “كسلاح جيواقتصادي” في مواجهة بيئة دولية تتغير بسرعة، مؤكداً أن “التحكم بالدولار أصبح أداة نفوذ تؤثر في قرارات المستثمرين على مستوى العالم، وليس مجرد سياسة نقدية داخلية”.
■ إنهاء الإغلاق الحكومي… هدوء مؤقت في واشنطن
صوّت مجلس النواب الأميركي على مشروع قانون التمويل المؤقت الذي وقّعه الرئيس دونالد ترامب، منهياً الإغلاق الحكومي الذي امتد منذ بداية أكتوبر. هذا القرار أعاد بعض الثقة إلى الأسواق، لكنه في الوقت نفسه أظهر هشاشة المشهد السياسي الأميركي في ظل الاستقطاب الحاد بين المشرّعين.
ورغم أن إنهاء الإغلاق يخفّف من مخاطر الشلل الإداري، إلا أن الأسواق تدرك أن الاستقرار المالي الأميركي أصبح رهينة السجالات السياسية، ما يزيد من تقلبات الدولار وبالتالي الذهب.
■ الدولار القوي… ضغط مباشر على الذهب
ارتفع مؤشر الدولار إلى 99.3 نقطة مدعومًا بتوقعات سياسة نقدية مشددة، ما ضغط على أسعار الذهب التي تراجعت بنسبة 2.6% إلى نحو 4086 دولارًا للأوقية.
تعكس هذه القوة عودة الدولار لدوره التاريخي كعملة عالمية للطوارئ، وهو ما يظهر في ازدياد الطلب عليه رغم ارتفاع التوترات الجيوسياسية عالميًا. المفارقة هنا أن الذهب لم يستفد من حالة انعدام اليقين كما هو معتاد، لأن قوة الدولار غطّت على أثر المخاطر العالمية.
■ غزة والبحر الأحمر… تأثير مباشر على سلوك الأسواق
الحرب المستمرة في غزة وفّرت أرضية خصبة لارتفاع الطلب على الأصول الآمنة، خاصة بعد توسع نطاق التهديدات في البحر الأحمر وتعطّل خطوط الشحن العالمية.
تعليق الملاحة في بعض المناطق وارتفاع تكاليف التأمين وتهديد طرق التجارة جعل المستثمرين يتوقعون موجة تضخم جديدة قد تضغط على اقتصادات العالم، خصوصًا أوروبا.
هذا السيناريو يصب عادة في صالح الذهب، لكن الفيدرالي عطّل هذا الاتجاه عبر تمسكه بلغة نقدية متشددة.
ويقول الخبير الجيوسياسي لورانس فريدمان إن “الذهب أصبح اليوم رهينة مواجهة ثلاثية: تسعير الدولار، قرارات الفيدرالي، والمخاطر الجيوسياسية”. مؤكداً أن صعود الذهب سيكون أكبر بكثير لو لم يكن الدولار في حالة صعود استثنائية.
■ أوكرانيا… أزمة طاقة تعيد تشكيل المشهد
تواصل الحرب في أوكرانيا التأثير في أسواق الطاقة، مع استمرار العقوبات على روسيا وانخفاض مخزونات الغاز الأوروبية.
ارتفاع أسعار الطاقة لا يرفع تكلفة النقل والتصنيع فقط، بل يعيد إشعال التضخم العالمي، ما يدفع المستثمرين لإعادة التفكير في أدوات حماية القيمة، وعلى رأسها الذهب.
لكنّ المشكلة أن الذهب يخسر جزءًا من جاذبيته عندما تكون الفوائد الأميركية مرتفعة أو مرشحة للارتفاع، لأن ذلك يرفع كلفة الاحتفاظ بالأصول غير المدرة للعائد.
■ الصين وصعود النظام النقدي البديل
في الخلفية، تعمل الصين على توسيع استخدام عملتها في المبادلات التجارية، خاصة مع روسيا ودول الجنوب العالمي. هذه التحركات لا تهدد الدولار مباشرة، لكنها تتراكم ببطء، ما يجعل الذهب خيارًا جذابًا لدول تبحث عن أدوات تحوّط بعيدة عن العملة الأميركية.
وقد أشار الخبير الصيني زانغ وي إلى أن “الذهب يعود اليوم إلى دوره التاريخي كأداة لتسوية العلاقات الدولية، خاصة في ظل تصاعد استخدام العقوبات المالية كسلاح سياسي”.
■ في المحصلة: لماذا ينخفض الذهب الآن رغم أن العالم في ذروة التوتر؟
لأن الأسواق تتعامل مع قوتين متعاكستين:
-
قوة الدولار والفائدة الأميركية – وهي قوة تقنية ولكنها حاسمة.
-
العوامل الجيوسياسية – وهي قوية لكنها تتفاعل ببطء.
على المدى القصير، ينتصر الدولار.
على المدى المتوسط والطويل، يرجّح معظم الخبراء أن الذهب سيحقق مكاسب كبيرة مع تفاقم هشاشة النظام الدولي.