كيف يمكن للمغرب استعادة الثقة بين الدولة والمواطنين؟...

MEDIAMAR360

كيف يمكن للمغرب استعادة الثقة بين الدولة والمواطنين؟

بقلم : محمد صدقي
Thu, 30 Oct 2025 22:15:43

🤖 كيف يمكن للمغرب استعادة الثقة بين الدولة والمواطنين؟

يمكن للمغرب في عام 2025 استعادة الثقة بين الدولة والمواطنين من خلال التركيز على تنفيذ إصلاحات اجتماعية واقتصادية ملموسة، وتعزيز الشفافية والمساءلة، إلى جانب إرساء آليات مؤسساتية لمشاركة المواطنين. وتتمحور جهود الحكومة الحالية حول هذه المحاور في إطار النموذج التنموي الجديد الذي يهدف إلى تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.

أبرز محاور هذا المقال

  • حكومة متعثّرة وثقة مهدورة
  • التوجيه الملكي: تصحيح المسار لا إنقاذ الوجوه
  • غياب الكفاءة في انتقاء النخب
  • إعادة بناء الثقة من القاعدة
  • الحلول الممكنة: من النقد إلى البناء
مجلس النواب المغربي
مجلس النواب المغربي

بعد سنوات من الشكوى والاحتقان الاجتماعي، جاء التدخل الملكي الأخير لتصحيح بوصلة الحكومة المغربية برئاسة عزيز أخنوش كمحطة مفصلية أعادت النقاش إلى جوهره: من يُدير السياسات العمومية؟ ولصالح من؟
في ظل تزايد الفوارق الاجتماعية، وغلاء المعيشة، وتراجع ثقة المواطن في المؤسسات، بات السؤال الحارق اليوم: كيف ننتقل من النقد إلى الفعل، ومن الأزمة إلى الإصلاح؟

1. مشهد عام: حكومة متعثّرة وثقة مهدورة

واجهت حكومة الملياردير عزيز أخنوش منذ تنصيبها سنة 2021 موجة انتقادات غير مسبوقة، بعد فشلها في الوفاء بوعودها الانتخابية وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية؛ حيث تجاوز سعر جل المواد الأساسية التي تشكل القفة اليومية للمواطن كل التكهنات وباتت تثقل كاهله و تفوق مستوى قدراته المالية و التزاماته الإجتماعية.
لكن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في الأسعار، بل في فقدان الإحساس بالعدالة الاقتصادية، حيث يشعر المواطن أن الدعم موجّه للأغنياء والمستثمرين الكبار، بينما الفقراء يُتركون لمصيرهم اليومي.

2. التوجيه الملكي: تصحيح المسار لا إنقاذ الوجوه

كان تدخل الملك محمد السادس بمثابة طوق نجاة سياسي للحكومة، إذ حماها من انهيار داخلي محتمل، لكنه في الوقت نفسه أعاد وضعها تحت المجهر الشعبي والمؤسساتي.
فالتوجيهات الملكية لم تأتِ فقط لتخفيف التوتر الاجتماعي، بل لتعيد طرح السؤال الأعمق:
هل المشكلة في السياسات، أم في الأشخاص الذين يُفترض أن ينفذوها؟

3. غياب الكفاءة في انتقاء النخب

تُظهر التجربة أن معايير اختيار الوزراء وكتاب الدولة كثيرًا ما تخضع لمنطق الولاءات الحزبية لا للكفاءة.
باستثناء قطاعات محدودة كالصحة والتعليم و العدل، يظل التعيين السياسي خاضعًا لشبكة العلاقات والمصالح، مما يجعل الوزراء أسرى توازنات حزبية لا برامج وطنية.
أما تعيين وزراء السيادة (الداخلية، الخارجية، الأوقاف) فيبقى اختصاصًا ملكيًا عرفيًا، وهو ما يعكس الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين السياسة والاحتراف الإداري.

4. المثال الرياضي: كيف تُصلح الكفاءة ما أفسدته السياسة؟

في الوقت الذي استنزفت فيه مشاريع حكومية المليارات دون أثر ملموس، نجح قطاع كرة القدم في تحقيق قفزة نوعية بفضل قيادة واعية واستراتيجية واضحة.
فمنذ تجديد رئاسة الجامعة الملكية لكرة القدم، تم تأهيل النوادي، وإطلاق برامج التكوين، وتحويل الهواية إلى احتراف. النتيجة؟
منتخبات وطنية تنافس على الألقاب العالمية وشباب مغاربة يصنعون الفارق.
هذا المثال يبرهن أن الحل ليس في “زيادة الموارد”، بل في اختيار الإنسان المناسب وتوفير أدوات المساءلة.

5. حجر الزاوية: إعادة بناء الثقة من القاعدة

الإصلاح الحقيقي يبدأ من العمالات والجماعات الترابية، لأنها الواجهة اليومية للمواطن.
فالمشكل ليس في البرامج ولا في المال، بل في الإنسان الذي يسهر على التنفيذ.
حين تُدار الجماعات بعقلية المصلحة لا الخدمة، تصبح التنمية مجرد شعار.
ولعل المثال الحي هو ما يحدث حين تُرفض ميزانية جماعة قروية ما فقط لأن رئيسها رفض منح القائد وصلات بنزين مجانية مثلا!
هنا يتجلى عمق الأزمة: البيروقراطية والزبونية تُجهضان كل نية إصلاح.

🧭 6. الحلول الممكنة: من النقد إلى البناء

بعد سنوات من الوعود غير المنجزة، أصبح الإصلاح الحقيقي رهينًا بتغيير المنهج لا الأشخاص. فالمشكل لا يكمن في غياب الأفكار، بل في غياب الآليات التي تضمن تنفيذها بفعالية وشفافية.
ولكي تنتقل البلاد من دائرة النقد إلى فضاء البناء، هناك خمس ركائز أساسية يمكن الانطلاق منها:


🔹 أولًا: تفعيل الجهوية الحقيقية

الجهوية المتقدمة ليست مجرد شعار إداري، بل رافعة تنموية إذا تم تفعيلها فعليًا.
ذلك يمر عبر نقل فعلي للصلاحيات من المركز إلى الجهات، وتمكينها من اتخاذ قراراتها التمويلية والتنموية دون انتظار الموافقات البيروقراطية من العاصمة.
فالجهة يجب أن تصبح مركز القرار الاقتصادي والاجتماعي المحلي، وأن تمتلك ميزانية مستقلة وبرامج موجهة تراعي خصوصياتها المناخية، الاقتصادية، والثقافية.
مثلاً: جهة درعة تافيلالت تحتاج استثمارًا في الماء والطاقة الشمسية أكثر من الصناعة الثقيلة، بينما جهة طنجة تطوان الحسيمة تحتاج دعمًا للبنية التحتية الصناعية والتكنولوجية.
بهذا فقط، تصبح الجهوية وسيلة لتوزيع الثروة والفرص بعدالة.


🔹 ثانيًا: تحفيز الكفاءات المحلية عبر نماذج مشجّعة

في الوقت الذي تغيب فيه الكفاءات عن التسيير المحلي، يجب خلق آليات تشجّع أبناء الجهة على المشاركة بدل الهجرة نحو المركز.

  • منح التحفيز المحلي: تقديم تعويضات إضافية للكفاءات التي تختار العمل داخل مناطقها الأصلية (أطباء، مهندسون، تقنيون...).

  • برنامج “العودة إلى الجذور”: مبادرة وطنية تشجع الأطر المقيمة في الخارج أو المدن الكبرى على الإسهام في تنمية مناطقهم عبر شراكات مؤقتة أو مهام استشارية قصيرة الأمد.

  • شراكات مع الجامعات: كل جامعة جهوية تُنشئ مركز ابتكار محلي يربط الطلبة بمشاريع الجماعات والجهات بدل الاكتفاء بالتدريس الأكاديمي.

النتيجة: يتحول التسيير المحلي من “مناصب ولاء حزبي” إلى “مختبر للكفاءة”.


🔹 ثالثًا: تعزيز الشفافية الرقمية ومبدأ “الميزانية المفتوحة”

الرقمنة هي الأداة الأقوى لمحاربة الفساد الإداري.
يجب إلزام كل جماعة أو جهة بنشر ميزانيتها ومشاريعها عبر منصة رقمية تفاعلية مفتوحة للمواطنين، تحتوي على:

  • تفاصيل النفقات والمداخيل،

  • مراحل تقدم المشاريع،

  • أسماء المقاولات المتعاقدة،

  • تقارير المراقبة المالية.

كما يمكن للمواطنين التصويت إلكترونيًا على أولويات الإنفاق في قراهم أو مدنهم، عبر آلية تسمى “الميزانية التشاركية الرقمية”.
هذه الممارسة ستعيد الثقة تدريجيًا، لأن المواطن سيرى بأم عينه أين تذهب أمواله، ومن المسؤول عن تأخر المشاريع.


🔹 رابعًا: تأهيل المنتخبين في المجالات الحيوية

لا يمكن لمجالس محلية أن تبتكر حلولًا وهي تفتقر إلى التكوين.
لهذا، يجب فرض تكوين إلزامي دوري للمنتخبين المحليين في المجالات التالية:

  1. التدبير المالي والمحاسبي لضمان نجاعة الميزانية.

  2. التخطيط الترابي والتنموي لتجنب المشاريع العشوائية.

  3. التواصل المؤسساتي لكسب ثقة المواطنين عبر الحوار المستمر.

  4. التحول الرقمي المحلي لتوظيف التكنولوجيا في الإدارة والخدمات.

  5. التنمية البيئية والمستدامة لمواجهة آثار التغير المناخي.

بهذا، تتحول الجماعات من “هياكل انتخابية” إلى “مدارس للتسيير العمومي”.


🔹 خامسًا: آلية محاسبة حقيقية أمام المواطنين

الحديث عن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يكفي. المطلوب هو تجسيدها بآليات ملموسة، مثل:

  • نشر تقارير الأداء السنوية لكل رئيس جماعة أو جهة على بوابة وطنية، متاحة للعموم.

  • عقد جلسات عمومية للبث في الحصيلة، تنقل مباشرة وتُفتح للأسئلة من المواطنين أو الصحفيين.

  • سحب الثقة المحلي: منح المواطنين حق سحب الثقة من منتخب لم يلتزم ببرنامجه بعد مرور نصف ولايته، عبر آلية تصويت محلية قانونية.

  • مشاركة المجتمع المدني في التقييم من خلال لجان متابعة مستقلة، تعاين المشاريع على الأرض وترفع تقاريرها للجهة والوزارة.

بهذا الشكل، تتحول المحاسبة من شعار سياسي إلى ممارسة يومية تحفظ كرامة المواطن وتعيد للديمقراطية المحلية معناها الحقيقي.

الانتقال من النقد إلى البناء لا يتحقق عبر خطابات ولا وعود، بل عبر هندسة جديدة للسلطة المحلية تجعل المواطن في قلب القرار، والمنتخب تحت المجهر، والشفافية قاعدة العمل لا استثناءً.
حينها فقط، يمكن للمغربي البسيط أن يشعر أن الحل الذي يبحث عنه ليس في العاصمة... بل في الجماعة التي يعيش فيها.

نحو عقد اجتماعي جديد

المغرب اليوم على أعتاب مرحلة دقيقة، تحتاج إلى إرادة لا إلى شعارات.
إعادة بناء الثقة ليست مشروع قانون، بل مسار وعي جماعي يبدأ من القاعدة وينتهي بالمؤسسات.
حين يدرك المواطن أن الدولة تنصت له، والمسؤول أن المنصب تكليف لا تشريف، يمكننا القول إننا بدأنا نكتب فصلاً جديدًا من مغرب الأمل —
مغرب الإنسان قبل البنيان.

مقالات ذات الصلة

المتحف المصري الكبير
منح جائزة نوبل للسلام للفنزويلية ماريا ماتشادو