مجزرة توزيع المساعدات في زيكيم: كيف تُستخدم المجاعة كسلاح حرب في غزة وفق اتفاقية منع الإبادة الجماعية؟
أبرز محاور هذا المقال
- وثّقت الأمم المتحدة مقتل أكثر من 1760 فلسطينيًا أثناء انتظارهم المساعدات الإنسانية في غزة منذ مايو 2024.
- ارتفع عدد ضحايا المجاعة إلى 251 شهيدًا، بينهم 108 أطفال، وسط حصار ممنهج.
- الجيش الإسرائيلي يستعد لاحتلال مدينة غزة بالكامل، بعد تكثيف القصف على حي الزيتون.
- رئيسة وزراء الدنمارك تصف نتنياهو بـ"المشكلة في حد ذاتها" وتهدد بعقوبات أوروبية.
- احتجاجات "إضراب الشعب" تعم إسرائيل، في مؤشر على تصدّع داخلي.
- مصر وألمانيا تحذّران من سياسة "إسرائيل الكبرى" وتوسيع الاستيطان.
- سقوط طائرة استطلاع إسرائيلية يكشف هشاشة التفوق التكنولوجي.
ليل الجمعة-السبت، لم تكن الأضواء في منطقة زيكيم شمال غرب قطاع غزة ناتجة عن كهرباء، بل عن ألسنة النيران المندلعة في جثث مدنيين فلسطينيين. عشرات الشهداء وصلوا إلى مستشفى الشفاء بعد أن أطلق جيش الاحتلال الإسرائيلي الرصاص على مواطنين كانوا ينتظرون قوافل المساعدات الإنسانية. وفق ما أوردت وسائل إعلام فلسطينية، لم يكن هذا الحادث الأول، بل حلقة في سلسلة من المجازر الممنهجة بحق المدنيين العزل.
لكن هذه المرة، كان الأمر مختلفًا: الأمم المتحدة تدخل على الخط. المفوضية السامية لحقوق الإنسان وثّقت، في بيان صادر الجمعة، مقتل 1760 فلسطينيًا على الأقل أثناء انتظارهم المساعدات منذ نهاية مايو 2024. هذا الرقم، الذي تجاوز بكثير التقديرات السابقة في أغسطس، يُشكّل دليلًا مُتسارعًا على أن الحصار ليس مجرد عقوبة جماعية، بل جزء من استراتيجية عسكرية تُدمّر البنية السكانية.
🔹 السياق القانوني: هل نحن أمام "جريمة إبادة جماعية"؟
القانون الدولي لا يكتفي بوصف القتل الجماعي بأنه "مأساة"، بل يُصنّفه وفقًا لمعايير دقيقة. المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 تعرّف الإبادة الجماعية بأنها "أفعال تُرتكب بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، كليًا أو جزئيًا".
إقرأ أيضًا:
ومن بين هذه الأفعال:
- القتل العمد لأعضاء الجماعة.
- إلحاق أذى جسدي أو عقلي جسيم بأعضاء الجماعة.
- إخضاع الجماعة لظروف معيشية تهدف إلى تدميرها المادي بالكامل أو الجزئي.
البند الأخير هو ما يلفت إليه خبراء حقوق الإنسان. في تقرير حديث، أكد مركز الحقوق الدستورية والقانون الدولي (ECCHR) أن "الحصار المفروض على غزة، مع منع الغذاء والدواء والكهرباء، يُشكّل نموذجًا صريحًا لاستخدام المجاعة كأداة حرب – وهو ما يندرج تحت بند الإبادة الجماعية".
الدكتور رامي خوري، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأمريكية في بيروت، يوضح:
"ما يحدث في غزة لم يعد مجرد انتهاك للقانون الإنساني، بل عملية تدمير منهجي لشعب بأكمله. المجاعة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة سياسة معلنة: منع الدخول الكامل للمساعدات. هذا ليس خطأ عسكريًا، بل تصميمًا استراتيجيًا".
🔹 الأبعاد المحلية: مجتمع على حافة الانهيار التام
داخل غزة، لم يعد الحديث عن "أزمة إنسانية"، بل عن انهيار حضاري كامل. وزارة الصحة في القطاع أعلنت، صباح السبت، تسجيل 11 حالة وفاة جديدة بسبب المجاعة وسوء التغذية خلال 24 ساعة فقط، ليصل العدد الإجمالي إلى 251 شهيدًا، بينهم 108 أطفال.
الدكتورة سامية الحرازي، اختصاصية التغذية في مستشفى الشفاء، تصف المشهد:
"أرى أطفالًا يموتون من الجوع أمام عينيّ، وأنا عاجزة. لا دواء، لا غذاء، لا كهرباء. حتى المياه أصبحت سامة. هذا ليس حربًا، هذا إعدام جماعي ببطء".
التأثير المحلي لا يقتصر على الصحة. التعليم توقف، الاقتصاد تحوّل إلى بقايا سوق سوداء، والنزوح أصبح ظاهرة يومية. حي الزيتون، الذي يُعدّ أكبر أحياء مدينة غزة، شهد موجة نزوح جديدة بعد أوامر إخلاء من جيش الاحتلال، تزامنًا مع بدء "الفرقة 99" عمليات عسكرية مكثفة.
🔹 البعد الوطني: خطة احتلال مدينة غزة وتصعيد عسكري مبرمج
الجيش الإسرائيلي لم يخفِ نواياه. في بيان رسمي، أعلن عن بدء عمل "الفرقة 99" في حي الزيتون، بعد أن صدّق رئيس الأركان إيال زامير على "الفكرة المركزية" لاحتلال قطاع غزة بالكامل.
الفرقة 99، التي نفذت سابقًا عمليات احتلال في جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون، تُعدّ وحدة النخبة في الجيش الإسرائيلي. ووفق تقارير معهد دراسات الأمن القومي (INSS) في تل أبيب، فإن خطتها الحالية تشمل "تطويق مدينة غزة من الجنوب والشمال، وفرض سيطرة دائمة على البنية التحتية".
الخبير العسكري الإسرائيلي عاموس هاريل، كاتب العمود في "هآرتس"، يرى أن:
"هذه ليست عملية عسكرية رد فعل، بل مشروع استعمار جديد. الهدف ليس فقط تدمير حماس، بل إعادة تشكيل غزة كمنطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، مع إزالة السكان".
🔹 البعد الدولي: تصدّع التحالفات وتحذيرات من عواقب سياسية
في المقابل، تزداد الضغوط الدولية. رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن صرّحت في مقابلة مع صحيفة "يولاندس بوستن":
"نتنياهو يُمثل مشكلة في حد ذاته. حكومته تجاوزت كل الحدود".
وأضافت أن بلادها، خلال توليها الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، ستسعى إلى فرض عقوبات سياسية واقتصادية ضد إسرائيل، سواء على المستوطنين أو الوزراء أو الدولة ككل.
من جهتها، أعلنت مصر وألمانيا، في اتصال بين وزيري خارجيتهما، رفضهما "التصريحات حول إسرائيل الكبرى"، وتوسيع الاستيطان في القدس والضفة. ووصف الوزير المصري بدر عبد العاطي هذه السياسات بأنها "تقضي على أي فرصة للسلام".
🔹 الانعكاسات التكنولوجية والاقتصادية: عندما تسقط الطائرات
في مشهد رمزي، سقطت طائرة استطلاع إسرائيلية من طراز "سكاي لارك 3" في حي الرمال بمدينة غزة. الجيش زعم أن السبب "عطل فني"، لكن خبراء تكنولوجيا يرون أن:
"سقوط طائرات صغيرة يُظهر هشاشة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي في البيئة الحضرية المعقدة"، كما يقول البروفيسور ديفيد كينغ من معهد "تشاتام هاوس".
اقتصاديًا، تُقدّر الأمم المتحدة أن خسائر قطاع غزة تجاوزت 17 مليار دولار. البنية التحتية مدمرة، والمصانع مغلقة، والزراعة معدومة. الحصار يُدمّر الاقتصاد، والقصف يُدمّر ما تبقّى.
🔹 احتجاجات داخل إسرائيل: "إضراب الشعب" يهزّ الدولة من الداخل
في تطور غير مسبوق، أعلنت عشرات الشركات الخاصة، والسلطات المحلية، والجامعات في إسرائيل عن دعمها لـ"إضراب الشعب" المقرر الأحد. الحراك بدأ من عائلات الجنود الأسرى والقتلى، لكنه تحوّل إلى حركة رفض واسعة للحرب.
الصحف العبرية تصفه بـ"أكبر تحدٍ داخلي لحكومة نتنياهو منذ حرب أكتوبر". المحلل السياسي ناحوم بارنيع يرى أن:
"الإسرائيليين يدركون أن هذه الحرب لا تنتهي، وأن التكلفة البشرية والاقتصادية باهظة. قد نشهد تغييرًا سياسيًا داخليًا إذا استمر التصعيد".
🔹 الخاتمة: هل نحن أمام لحظة حسم؟
مجزرة زيكيم ليست مجرد حادث فردي. إنها نقطة تحوّل تُجسّد استراتيجية كاملة: حصار، تجويع، قصف، ثم احتلال. الأرقام، والشهادات، والتقارير الدولية، كلها تشير إلى أن ما يحدث في غزة يتجاوز حدود الحرب التقليدية إلى جريمة ضد الإنسانية.
السؤال الآن ليس فقط: هل سينتهي الحصار؟
بل: هل سيُحاسب من يُدير هذه الآلة؟
القانون الدولي موجود. الاتفاقيات موقعة. لكن العدالة تتأخر كلما صمت العالم.
"التجويع كسلاح حرب ليس خطأً عسكريًا، بل جريمة مُخطّط لها. والصمت عليها، هو شراكة في الجريمة".