كيف تحوّلت الطائرة المسيرة من سلاح تكتيكي إلى أداة ردع استراتيجي ف...

MEDIAMAR360

كيف تحوّلت الطائرة المسيرة من سلاح تكتيكي إلى أداة ردع استراتيجي في العقيدة الإيرانية؟

بقلم : محمد صدقي
Mon, 06 Oct 2025 21:35:51

🤖 لماذا تختار إيران الآن الصمت الاستراتيجي بدل الاستعراض العسكري؟

اتبعت إيران في الأشهر الأخيرة استراتيجية تُعرف بـ"الصمت الاستراتيجي"، إذ ألغت العروض العسكرية وغيرها من المظاهر الاستفزازية لصالح نهج أكثر هدوءًا وبراغماتية. ويأتي هذا التحول عقب أحداث بارزة، من بينها الضربات الإسرائيلية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو 2025، وإعادة فرض العقوبات الدولية عليها في سبتمبر من العام نفسه.

أبرز محاور هذا المقال

  • إيران تكشف عن "أسطول شبح" من طائرات مسيرة متطورة، مستوحاة من طائرة RQ-170 الأمريكية التي استولت عليها عام 2011.
  • محللون في معهد دراسات الحرب (ISW) يرون أن الطائرات المسيرة باتت جوهر "عقيدة الردع الذكي" الإيرانية.
  • غياب هذه الطائرات عن المواجهات الأخيرة مع إسرائيل يُفسّر كـ"تكتيك غموض استراتيجي"، لا ضعف.
  • تقارير غربية تشير إلى أن طهران طوّرت قدرات على تشويش أنظمة الدفاع الجوي عبر هجمات جماعية منسقة.
  • الدبلوماسي الإيراني السابق محمد مهدي شريعتمدار: "إيران لا تريد الحرب، لكن ضربتها القادمة ستكون أقوى من السابق".
أسطول الشبح الايراني.. مسيرات تحاكي قدرات البي 2 الأميركية
أسطول الشبح الايراني.. مسيرات تحاكي قدرات البي 2 الأميركية

تقترب المنطقة من منعطف خطير، لا يشبه التصعيدات السابقة. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل لم تعد تدور في فلك الرسائل الاستخباراتية أو الهجمات المحدودة عبر الوكلاء، بل بدأت تتداخل فيها الحسابات النووية بالردع العسكري الصاروخي، وتتقاطع عندها خطوط النار بين الجو، البحر، والسياسة.

في هذا السياق المحموم، تكثّف تل أبيب تهديداتها، وتسرب معلومات عن استعدادات لحرب "قد تكون وشيكة"، بينما ترد طهران بإشارات هادئة ظاهريًّا، لكنها مشبعة بمعاني التحفّز والجهوزية — كان أبرزها الكشف عن "أسطول الشبح" من الطائرات الإيرانية المسيرة، والحديث عن "مدن صواريخ تحت الأرض"، إلى جانب استعراض متدرج لقدراتها الدفاعية.

ومن بين أوضح النوافذ على العقل الأمني الإيراني اليوم، جاءت تصريحات الدبلوماسي الإيراني السابق محمد مهدي شريعتمدار لتُضيء جانبًا جوهريًّا من الرؤية الرسمية حيال التوتر المتصاعد، وتكشف كيف تُعيد طهران تعريف معادلة الردع: بعيدًا عن العنتريات العسكرية، ولكن أيضًا دون تراجع عن سياسة "الصبر الحذر".

 

قلق متبادل: تآكل عنصر المفاجأة وتحول قواعد الاشتباك

منذ شهور، تدور في الكواليس العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية تقديرات متزايدة عن "تآكل عنصر المفاجأة" في مواجهة إيران. وتعكس تصريحات متتالية من قادة المؤسسة الأمنية — بينهم وزير الدفاع الأسبق أفيغدور ليبرمان — خشية حقيقية من ضربة استباقية إيرانية محتملة، في ظل تحركات عسكرية غير مسبوقة في المنطقة.

وتكشفت مؤشرات جديدة على هذا التصعيد حين أفادت مجلة نيوزويك عن نشر دفعة كبيرة من طائرات التزود بالوقود الأمريكية من طراز KC-135 في قاعدة العديد بقطر. وقد قرأ المراقبون هذا التحرك كإشارة واضحة إلى أن واشنطن تستعد لاحتمال انزلاق الأمور نحو مواجهة واسعة النطاق.

في المقابل، خرجت إيران لتُعلن انتهاء صلاحية اتفاقها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحذّر وزير خارجيتها عباس عراقجي من أن "التهديدات العسكرية لن تنتج حلاً".

لكن خلف هذه التحركات التقنية والدبلوماسية، كانت هناك حرب أخرى تُخاض في الظل: حرب الطائرات المسيرة، أو ما بات يُعرف اليوم بـ"أسطول الشبح" الإيراني.

 

"أسطول الشبح": من طائرة ساقطة إلى عقيدة ردع مقلوبة

كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في تقرير لافت أن إيران طوّرت طائرات مسيرة "تحاكي" القاذفة الأمريكية الشهيرة B-2، ولكن بنسخة مصغرة. ويعود أصل هذا البرنامج إلى حادثة عام 2011، حين استولت إيران على طائرة تجسس أمريكية من طراز RQ-170 كانت في مهمة فوق أفغانستان وانحرفت إلى الأجواء الإيرانية.

وبحسب محللين غربيين، كان ذلك الحادث نقطة التحول في مسار تطوير الصناعات الجوية الإيرانية. فمن طائرة ساقطة في صحراء كاشمر، وُلد برنامج كامل لبناء منظومة "طائرات مسيرة شبحية" هجومية وتجسسية وانتحارية.

وتشير تقارير غربية إلى أن هذه الطائرات جُرّبت في "قتال حقيقي" عبر جبهات إقليمية متعددة. ومع ذلك، فقد غابت بشكل ملحوظ عن آخر المواجهات المباشرة مع إسرائيل — وهو غياب أثار تساؤلات في تل أبيب.

بعض الخبراء هناك حذّروا من أن "إطلاقها بشكل جماعي سيُربك منظومات الدفاع الإسرائيلية ويُشتت قدراتها عبر جبهات متزامنة"، خصوصًا إذا ترافق مع هجمات صاروخية من ميليشيات حليفة لإيران في المنطقة.

 

إيران لا تريد الحرب... لكنها لن تتراجع

بدا حديث الدبلوماسي الإيراني السابق محمد مهدي شريعتمدار أقرب إلى عرض هادئ لاستراتيجية "الردع الصبور" التي تتبناها طهران. فقد قال بوضوح:

"إيران لا تريد الحرب، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تتجاهل وجوب الجهوزية الكاملة للرد على أي حملة محتملة أو مرتقبة من العدو الإسرائيلي أو أي جهة أخرى."

هذه العبارة، وإن بدت دبلوماسية في ظاهرها، تعكس فلسفة أعمق تقوم على مبدأ "الدفاع الوقائي" لا "الهجوم الوقائي". فطهران، وفق شريعتمدار، لا تُبادر بالحرب، لكنها تُحضّر لليوم الذي تُجبر فيه على الرد.

وأضاف أن "إسرائيل، خلال العامين الماضيين، كانت تسعى إلى فتح حرب مفتوحة بتدخل أمريكي مباشر، لكن إيران ومحور المقاومة لم يسمحا بذلك".
وهذا يعني أن طهران ترى في كل تصعيد محدود فرصة لإعادة تثبيت معادلات الردع دون أن تنزلق إلى مواجهة شاملة — سياسة براغماتية قائمة على "ضبط الإيقاع العسكري"، لكنها تُبقي المنطقة على حافة الانفجار.

 
 

الصمت الاستراتيجي: غموض محسوب كأداة ردع

من بين أكثر النقاط اللافتة في حديث شريعتمدار قوله إن "الكثير من المعلومات عن القدرات الدفاعية والصاروخية الإيرانية لم يُعلن عنها كما في السابق".
ووصف ذلك بـ"الصمت الاستراتيجي"، في إشارة إلى أن طهران قررت تقليل الضجيج الإعلامي حول برامجها العسكرية، لتجعل خصومها في حالة شك دائم.

ويُعدّ هذا التكتيك خدمة لغرضين متوازيين:

  • الردع النفسي عبر الغموض،
  • تخفيف الضغوط الدولية التي ترافق عادةً أي استعراض عسكري إيراني.

كما أشار شريعتمدار إلى أن "إيران تعرف تمامًا أن إسرائيل والولايات المتحدة تُدركان قدراتها"، مضيفًا أن أي مواجهة جديدة "ستكون ضربة إيران فيها أقوى من السابق، ولن تقبل بوقف إطلاق النار".
هذا التلميح لا يحمل فقط تحذيرًا عسكريًّا، بل يكشف عن تحوّل في العقل الأمني الإيراني من سياسة "الرد المتدرج" إلى ما يمكن وصفه بـ"الرد المكثّف".

 

الملف النووي: اتفاق معلّق وثقة مفقودة

لم يغب الملف النووي عن حديث شريعتمدار، الذي استعاد تفاصيل انهيار الاتفاق النووي بعد انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منه عام 2018.
وأوضح أن "الاتفاق لم تنتهِ صلاحيته أبدًا، وأن انسحاب واشنطن كان خرقًا لا يُبرر في القانون الدولي"، معتبرًا أن إيران "بقيت ملتزمة بالاتفاق ومنحت الأوروبيين الفرصة للتعويض، لكنهم فشلوا".

وفي استعراض لتجارب المفاوضات السابقة، قال:

"إيران تفاوضت مع الأمريكيين، مع الأوروبيين، ومع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكنها في كل مرة كانت تواجه بالرفض أو بالهجوم."

وأضاف أن المعلومات حول المنشآت النووية الإيرانية "سُربت عبر الوكالة إلى إسرائيل واستخدمت لاحقًا في الهجمات".
ومن وجهة نظر طهران، كما عكسها شريعتمدار، فإن المشكلة ليست في نوايا إيران، بل في "سوء تقدير" الطرف الآخر لمدى قدراتها واستعداده لتحمل التبعات.
فإيران، كما يقول، "أثبتت حسن نواياها وقدّمت مقترحات بنّاءة، لكنها لن تتنازل عن مصالحها الوطنية".

 

واشنطن: شريك في التصعيد أم ضامن للردع؟

يحمل الخطاب الإيراني الرسمي الولايات المتحدة مسؤولية "الخطأ الأول"، المتمثل في الانسحاب من الاتفاق النووي، وما تبعه من عودة العقوبات وتشديد الحصار المالي والاقتصادي.
وفي نظر شريعتمدار، كان ذلك الشرارة التي أشعلت دوامة التصعيد الراهنة، إذ دفعت إيران إلى تسريع تطوير قدراتها الذاتية في مجالات الدفاع والطاقة والردع الإقليمي.

واليوم، بينما تُعيد واشنطن نشر قواتها في المنطقة، ترى طهران أن "التحشيد العسكري" لا يهدف فقط لردعها، بل لترميم صورة الردع الأمريكي المتآكلة بعد حروب فاشلة في المنطقة.

ومع ذلك، تقول طهران إن الرد الأمريكي المحتمل "سيكلّف إسرائيل والولايات المتحدة أثمانًا باهظة"، لأن أي اشتباك جديد لن يكون محدودًا كما في السابق.

 

بين النفوذ والمصالح الوطنية: إعادة التموضع لا الانكفاء

في ختام حديثه، ذهب شريعتمدار إلى نقطة لافتة حين قال إن

"حتى لو تقلّص نفوذ إيران في المنطقة، فذلك لا يعني تراجع قوتها، بل قد يشكّل فرصة لتركيزها على مصالحها الوطنية."

 

بهذا الطرح، يلمّح إلى أن طهران قد تُعيد رسم سياستها الخارجية لتوازن بين الانخراط الإقليمي والحفاظ على استقرارها الداخلي، بعد عقد من الانهاك الاقتصادي والسياسي.
لكن هذه "الراحة" من أعباء النفوذ لا تعني الانكفاء، بل إعادة التموضع.

فإيران التي راكمت خبرة قتالية وتكنولوجية عبر حلفائها، باتت تمتلك اليوم أوراقًا تجعلها شريكًا صعب التهميش في أي معادلة أمنية تخص المنطقة.

 

الردع عبر الغموض: رسائل تحت الأرض ومشاهد من "مدن الصواريخ"

الرسالة الأوضح من كل هذه التصريحات والمواقف هي أن طهران لا تسعى للمواجهة، لكنها تُحضر لها.
فقد نشرت "القوة الجوفضائية" التابعة للحرس الثوري مشاهد نادرة من "مدن الصواريخ" تحت الأرض — لم يكن ذلك استعراضًا دعائيًّا بقدر ما هو تذكير بأن الردع الإيراني لا يُقاس بالبيانات السياسية، بل بالقدرة على البقاء والرد.

هذه اللقطات، التي عُرضت تزامنًا مع التصعيد الإسرائيلي، مثلّت جزءًا من "الحرب النفسية" المتبادلة. لكنها أيضًا أكدت أن إيران تريد أن تبقى في موضع الغموض المحسوب: تُظهر ما يكفي لتردع، وتُخفي ما يكفي لتربك.

 

زمن الردع الذكي

التحليل الأوسع يُظهر أن المنطقة تعيش مرحلة انتقالية في ميزان القوى.
فبينما تُراهن إسرائيل على التحالف مع واشنطن وتكثيف التطبيع العربي لتطويق طهران، تراهن إيران على "زمن الردع الذكي" — القائم على التكنولوجيا المحلية، وشبكات النفوذ غير المباشرة، والقدرة على تحمّل التصعيد دون الانزلاق إلى الحرب الشاملة.

السؤال لم يعد: "هل ستنفجر الحرب؟"، بل:
هل أصبحت إيران قادرة على فرض معادلة جديدة، لا تُقاس بالأسلحة فحسب، بل بالقدرة على جعل الحرب خيارًا باهظ الثمن لأي خصم؟

مقالات ذات الصلة