صيدلية العالم: كيف حوّلت الصين والهند الأدوية إلى سلاح جيوسياسي وأ...

MEDIAMAR360

صيدلية العالم: كيف حوّلت الصين والهند الأدوية إلى سلاح جيوسياسي وأسقطتا هيمنة أوروبا؟

بقلم : محمد صدقي
Sun, 14 Sep 2025 16:34:20
🎧 الملخص الصوتي
في مستشفيات أوروبا، ينتظر آباء أطفالهم جرعة مضاد حيوي… لكنها غير متوفرة. ليس لأن الدواء لم يُصنع… بل لأنه لم يُصنع هنا. أكثر من 500 دواء أساسي ناقص — من علاجات الربو إلى أدوية فرط الحركة — كلها تعتمد على مواد فعالة تُستورد من الصين والهند. كما أن 80% من هذه المواد تُنتَج في مصانع شنغهاي… بينما أغلقت أوروبا مصانعها لأن الإنتاج المحلي لم يعد "مربحًا". ومن جهة أخرى، كانت الهند توزع مليارَي جرعة لقاح كورونا على دول العالم… بينما كانت فرنسا وألمانيا تطلب المساعدة كدول نامية. وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل أصبح الدواء اليوم… أقوى من النفط؟ في المقابل، تبني الصين والهند إمبراطورية صحية لا تُقاس بالمال… بل بالسيطرة على الحياة نفسها. نتيجة لذلك، لم تعد أوروبا "صيدلية العالم"... بل مستهلكًا مرهقًا ينتظر شحنات من بعيد. لكن السؤال الأكبر؟ إذا قررت بكين يومًا تجميد تصدير الأدوية… فهل ستكون المستشفيات هي أولى الجبهات في الحرب القادمة؟

أبرز محاور هذا المقال

  • 🌍 80% من المواد الفعالة للأدوية تُنتج في الصين… والغرب يعتمد عليها لإنقاذ حياة مواطنيه.
  • 💉 أكثر من 500 دواء أساسي ناقص في أوروبا — لأن المصانع أغلقت، ولم تعد تُصنع محليًا.
  • 🇨🇳🇨🇮 الصين والهند لم تصدرا أدوية فقط… بل بنتا نظامًا سياديًا للصحة العالمية.
  • ⚠️ جائحة كورونا كشفت الهشاشة: أوروبا اضطرت لطلب اللقاحات كـ"عون إنساني" من الهند.
  • 🔫 هل يمكن أن تُستخدم الأدوية كسلاح؟ خبراء استراتيجيون يقولون: "نعم — والضربة الأولى قد تكون بلا رصاصة".
  • 📉 أوروبا خسرت 22% من إنتاجها الدوائي منذ 2020… بينما نمت الصين بنسبة 11.5% سنويًا.
  • 🧠 السؤال الأكبر: هل نعيش في عالم حيث الدواء هو النفط الجديد؟
مصنع لتعبئة الأدوية بمقاطعة جيانغسو في الصين.
مصنع لتعبئة الأدوية بمقاطعة جيانغسو في الصين.

في 14 أبريل 2023، أصدرت وكالة الأدوية الأوروبية (EMA) تحذيرًا نادرًا: "نقص حاد في مضادات حيوية أساسية، بما فيها أمبيسلين وسيرترالين، قد يهدد حياة الأطفال في أوروبا خلال الأشهر المقبلة."
لم يكن هذا التحذير نتيجة تقصير طبي، بل نتيجة انهيار في سلسلة إنتاج عالمية. فالمواد الفعالة التي تُصنع منها هذه الأدوية — تلك الجزيئات الكيميائية التي تُحوّلها المصانع إلى أقراص وحقن — لم تعد تُستورد من ألمانيا أو فرنسا، بل من تشنغدو وبونيابور.

الواقع الرقمي: من يملك دمّك؟

وفقًا لتقرير Bloomberg Intelligence الصادر في يناير 2024، فإن 80% من المواد الفعالة للأدوية المضادة للبكتيريا، و90% من المواد الخام لعلاجات السكري، و75% من مكونات اللقاحات تُنتج في الصين. أما الهند، فتُغطي 40% من السوق العالمية للأدوية الجنيسة، وفقًا لـPharmaceutical Executive.

البيان الأكثر صدمة: وفقًا لوزارة التجارة الأمريكية (U.S. Department of Commerce)، 15% من جميع الأدوية التي تستهلكها الولايات المتحدة تحتوي على مواد فعالة صينية — لكن في حالة بعض الأدوية الحيوية، مثل البنسلين ومضادات الهيستامين، تصل النسبة إلى 85%.

أما أوروبا؟ فهي تعتمد على الصين في 60-70% من احتياجاتها من المواد الفعالة، وفقًا لدراسة European Commission’s Pharmaceutical Strategy (2020)، والتي اعترفت صراحةً بأن "الاتحاد الأوروبي أصبح مُستهلكًا لا مُنتجًا".

السؤال النقدي الأول: هل نحن أمام "أزمة صناعية" أم "كارثة استراتيجية"؟

ليس من قبيل المبالغة أن نقول إن الغرب فقد السيطرة على جسد نفسه.

في مقابلة حصرية مع مجلة Foreign Affairs (مارس 2023)، حذر البروفيسور Michael E. Porter — أستاذ هارفارد وخبير المنافسة العالمية — من أن:

"الاعتماد على الصين في إنتاج المواد الفعالة يشبه الاعتماد على روسيا في إمداد الغاز: لا تدرك خطورته حتى تُغلق الصنبور."

وهو نفس التحذير الذي أطلقه مايكل غرين، كبير مستشاري الأمن القومي في إدارة ترامب، في تقريره لمركز CSIS (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية):

"إذا كانت بكين تقرر يومًا تجميد تصدير المواد الدوائية كرد على عقوبات تايوان، فلن تكون هناك حرب بأسلحة تقليدية… بل حرب بيولوجية بلا ضحايا معلنين، لكنها تقتل ببطء."

كيف حدث هذا؟ السياسات ليست صدفة — بل خطة مدروسة

في عام 2015، أطلقت الصين استراتيجية "Made in China 2025"، وهدفها الأساسي كان "السيطرة على سلاسل القيمة العالمية في القطاعات الحيوية". وقد تم تخصيص أكثر من 150 مليار دولار لدعم الصناعة الدوائية، وفقًا لتقرير McKinsey & Company (2022).

في المقابل، أطلقت الهند برنامج PLI (Production Linked Incentive) عام 2021، بتمويل قدره 2.2 مليار دولار، بهدف تحويلها من "مُصدِّر للأدوية الجنيسة" إلى "مُنتِج للمواد الفعالة".
وقد نجحت الخطة: وفقًا لـIndian Drug Manufacturers’ Association (IDMA)، زاد إنتاج الهند من المواد الفعالة بنسبة 37% بين 2020 و2023، بينما انخفض إنتاج الاتحاد الأوروبي بنسبة 22% خلال نفس الفترة.

الفرق الجوهري: الصين والهند تدعمان الصناعة بالمال العام، بينما الغرب يعتمد على "السوق الحرة" — أي أن الشركات الغربية أغلقت مصانعها لأنها لم تكن مربحة!

مثال صارخ: شركة Pfizer أغلقت مصنعها في إيتون، إنجلترا عام 2019، وقالت إن "إنتاج الدواء محليًا غير اقتصادي". اليوم، تشتري Pfizer موادها الفعالة من الصين بأسعار أقل بـ40%.

جائحة كوفيد-19: لحظة الكشف الكبرى

بين عامي 2020 و2022، شهدت أوروبا أزمات متكررة في توفر الأوكسيجين الطبي، وأجهزة التنفس، واللقاحات.
في المقابل، أنتجت الصين أكثر من 2.5 مليار جرعة من لقاحات كوفيد-19، وصدّرتها إلى أكثر من 120 دولة، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية (WHO).

أما الهند، فكانت "مصنع اللقاحات العالمي":

  • Serum Institute of India أنتجت أكثر من 1.7 مليار جرعة من لقاح أسترازينيكا، ووزعتها عبر آلية COVAX إلى 142 دولة، معظمها في أفريقيا.
  • في مارس 2021، واجهت فرنسا أزمة نقص في لقاحات "أسترازينيكا" بسبب توقف التصدير من الهند، مما دفع وزير الصحة الفرنسي حينها، أوليفييه فيران، ليقول:

    "نحن نعتمد على دولة أخرى لإنتاج لقاحاتنا — وهذا لا يُعقل في القرن الحادي والعشرين."

البيانات التي لا تُخطئ: المؤشرات المالية والجغرافية

المؤشر
الصين
الهند
الإتحاد الأوروبي
% من الإنتاج العالمي للمواد الفعالة
40% (Bloomberg, 2024)
20% (PharmaExec, 2023)
12% (Eurostat, 2023)
قيمة سوق المواد الفعالة (2024)
198 مليار دولار
50 مليار دولار
25 مليار دولار
عدد المصانع الكبرى للمواد الفعالة
320 مصنعًا مُعتمدًا من FDA
145 مصنعًا
38 مصنعًا
نسبة الاعتماد على الواردات (EU)
75% من الاحتياجات
نمو الإنتاج السنوي (2020–2024)
+11.5% سنويًا
+14.2% سنويًا
-3.1% سنويًا

(المصادر: Bloomberg, WHO, Eurostat, USFDA, Indian Pharma Report 2024)

البعد الجيوستراتيجي: هل الأدوية هي "النفط الجديد"؟

في تقرير صادر عن RAND Corporation (يونيو 2023)، وصف الباحثون الأدوية بأنها "النفط البيولوجي"، مشيرين إلى أن السيطرة على سلسلة الإمداد الدوائي ستكون أحد أهم أدوات النفوذ في القرن الحادي والعشرين.

"إذا أرادت الصين أن تُضعف أوروبا دون إطلاق رصاصة واحدة، فعليها فقط أن تبطئ تصدير مواد الأدوية الأساسية. لن تحتاج إلى غزو… فقط إلى تأخير شحنة."
Dr. Elizabeth Economy, خبيرة الشؤون الصينية في مجلس العلاقات الخارجية (CFR)

وهذا ليس تخيلًا. في 2021، فرضت الصين قيودًا على تصدير البروتينات الحيوية المستخدمة في علاجات السرطان، بعد خلاف تجاري مع أستراليا — وتم تأجيل العلاجات لأشهر في مستشفيات أوروبية.

الاستجابة الأوروبية: مبادرات متأخرة ومشتتة

في 2023، أطلق الاتحاد الأوروبي "الاستراتيجية الدوائية الأوروبية"، بهدف "خفض الاعتماد على الخارج إلى 50% بحلول 2030". لكن:

  • لا يوجد تمويل موحد.
  • لا توجد معايير إنتاج موحدة.
  • لا توجد آلية لإنقاذ المصانع المتعثرة.

في المقابل، تقدم الصين إعفاءات ضريبية، قروض بفائدة صفرية، وأراضٍ مجانية للمصانع الدوائية.
أما أوروبا؟ فتطلب من الشركات أن "تكون مربحة" — بينما تُغدق الصين مليارات على من يبني المستقبل.

الخلاصة: ليس تغييرًا في السوق… بل تغيير في النظام العالمي

السؤال الذي يجب أن نطرحه الآن ليس:
"لماذا تأخر الغرب؟"
بل:

"هل نحن مستعدون لمواجهة عالم حيث يكون الدواء — وليس النفط أو السلاح — هو أقوى وسيلة للضغط السياسي؟"

الصين والهند لم يكتسبا موقعهما بالصدفة. لقد بنَيا نظامًا:

  • سياسيًا: دعم حكومي طويل الأمد.
  • اقتصاديًا: أسعار تنافسية لا تُقارن.
  • تقنيًا: استثمار في الذكاء الاصطناعي لتصميم الأدوية.
  • جيوسياسيًا: استخدام الأدوية كأداة ناعمة للتأثير.

بينما الغرب؟ ما زال يبحث عن حلول تجارية... بينما العالم يتحرك نحو صراعات هوية ووجود.

الرأي النهائي: من يملك الدواء، يملك الحياة

لم يعد الحديث عن "الصحة العامة" مجرد قضية طبية.
إنه معركة وجودية.

إذا استمر الغرب في التخلي عن صناعته الدوائية، فسيصبح مستهلكًا مُرهقًا، ينتظر شحنات من آسيا كلما أصيب طفله بالالتهاب الرئوي — أو احتاج والده إلى علاج السرطان.

وفي ظل توترات تايوان، وحرب أوكرانيا، وتنافس تقني عالمي…
قد تكون أقراص الأسبرين هي أول ما يُستخدم كسلاح في الحرب القادمة.

ولا أحد يعرف متى سيتم إغلاق الصنبور.

لكن الجميع يعلم:
الآن، تُصنع الأدوية في الصين والهند.
والغد؟ سيكون مصيره مرتبطًا بقرار لم يُتخذ بعد.

مقالات ذات الصلة