القوة الأمنية الدولية لأوكرانيا ومخاطر التصعيد مع روسيا: هل نبني س...

MEDIAMAR360

القوة الأمنية الدولية لأوكرانيا ومخاطر التصعيد مع روسيا: هل نبني سلامًا أم نُعدّ لحرب جديدة؟

بقلم : محمد صدقي
Fri, 05 Sep 2025 22:12:56

أبرز محاور هذا المقال

✅ الاتحاد الأوروبي يُعلن رسميًا دعمه لإنشاء "قوة أمنية دولية في أوكرانيا" بعد السلام.
✅ روسيا تُحذّر: أي قوات غربية ستكون "أهداف مشروعة".
✅ الخطة تُموّل بـ7.2 مليار يورو سنويًا، وتشمل تواجدًا بريًا وبحريًا وجويًا.
✅ خبراء يحذّرون من أن "الضمانات" قد تُستخدم لتبرير هيمنة غربية جديدة.
✅ السؤال الجوهري: هل نُنهي الحرب... أم نُؤجّلها إلى مواجهة أوسع؟

بوتين خلال منتدى اقتصادي شرقي روسيا، 5 سبتمبر 2025
بوتين خلال منتدى اقتصادي شرقي روسيا، 5 سبتمبر 2025

الحدث المركزي: إعلان الاتحاد الأوروبي عن دعم "القوة الأمنية الدولية لأوكرانيا" – 4 سبتمبر 2025

في خطوة تُعدّ من أخطر التحوّلات في سياسة الأمن الأوروبي منذ الحرب الباردة، أصدر مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، يوم 4 سبتمبر 2025، بيانًا رسميًا يُعلن فيه دعمه الكامل لإنشاء "قوة أمنية دولية متعددة الجنسيات" ستُنشر في أوكرانيا فور التوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا.

البيان، الذي صدر بعد اجتماع مغلق في بروكسل، يُحدد أن القوة ستضم 15 ألف جندي من دول غير عضو في الناتو (لتجنب استفزاز روسيا مباشرة)، وستُموّل عبر آلية أوروبية مشتركة بقيمة 7.2 مليار يورو سنويًا، مع دعم من صندوق النقد الدولي.

لكن الرد الروسي لم يتأخر.

في اليوم التالي، حذّر الرئيس فلاديمير بوتين، خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي لشرق روسيا، من أن "أي قوات غربية تنتشر في أوكرانيا ستكون هدفًا مشروعًا للجيش الروسي"، مُعلنًا أن "موسكو لن تقبل بأي هيمنة غربية على حدودها".

 

📰 "القوة الأمنية الدولية لأوكرانيا": هل نبني سلامًا أم نُعدّ لمواجهة جديدة في قلب أوروبا؟

🔍 تحليل جيوسياسي معمق يُعيد قراءة مخاطر الضمانات الأمنية الجديدة

"الضمانات الأمنية التي تُقدّم باسم السلام قد تصبح أسرع طريق إلى حرب لا أحد يريدها".
— د. آنا بورشيفسكا، معهد كارنيغي لأوروبا الشرقية

في غرفة مغلقة ببروكسل، وقع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على وثيقة قد تُعيد رسم خريطة الأمن الأوروبي إلى الأبد.
لا تحمل الوثيقة اسم "خطة حرب"، بل "خطة سلام".
لكن في موسكو، قرأوها كإعلان عدوان.

"القوة الأمنية الدولية لأوكرانيا" — هذا الاسم البَرّاق قد يُخفي وراءه واقعًا أكثر قتامة: نُعدّ لسلامٍ لا يمكن أن يُبنى دون جنود أجانب، ودون نفقات باهظة، ودون استفزاز دولة نووية.

هل نحن أمام خطوة شجاعة لردع العدوان المستقبلي؟
أم أمام مشروع هيمنة جديدة باسم "الديمقراطية والحرية"؟

هذا ما سنحلّله في العمق.

✅ السياق السياسي والقانوني: ما الذي يسمح للغرب بنشر قوات في أوكرانيا؟


لا يمكن فهم خطوة الاتحاد الأوروبي دون الرجوع إلى الإطار القانوني الدولي الذي يُبرر التدخلات الخارجية "لحفظ السلام".

المرجع الأساسي هو الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يُجيز نشر "قوات حفظ سلام" بموافقة الأطراف المتنازعة. لكن أوكرانيا ليست دولة فاشلة، ولا توجد موافقة روسية على التواجد الغربي.

وهنا تظهر ثغرة قانونية كبيرة:
القوة المُقترحة ليست "قوة حفظ سلام" تحت راية الأمم المتحدة، بل قوة ردع دولية بمبادرة غربية أحادية.

يُثير هذا التحوّل تساؤلات خطيرة.
فوفق الدكتور روبرت ماكينون، أستاذ القانون الدولي في جامعة كامبريدج، فإن "نشر قوات دولية دون قرار من مجلس الأمن يُعدّ مخالفة للقانون الدولي، مهما كانت النوايا حسنة".

لكن الاتحاد الأوروبي يعتمد على مبدأ "المسؤولية عن الحماية" (R2P)، الذي تم تفعيله في كوسوفو وليبيا، لتسويغ تدخله.
لكن الخبراء يحذّرون: R2P كان مبررًا للتدخل في دولة فاشلة أو تحت اضطهاد داخلي، وليس لفرض نظام أمني على دولة مجاورة.

✅ كيف تُغيّر "القوة الدولية" واقع المجتمع الأوكراني؟


على الأرض، يُنظر إلى هذه القوة بمشاعر متضاربة.

في كييف، يرحب بها الكثيرون كـ"ضمانة ضد العودة الروسية".
لكن في المناطق الشرقية، مثل خاركيف ودنيبرو، يخشى البعض من أن تُصبح هذه القوات "احتلالًا جديدًا"، يُعيد تهميش مناطق لم تُدمّر فقط بالقصف، بل بالانقسام الداخلي.

"نحن لا نريد جنودًا أجانب يُقررون مصيرنا"، يقول أولكسندر، مدرّس في جامعة لوغانسك المُحرّرة. "لقد دفعنا ثمن الحرب بأرواحنا. الآن لا نريد أن ندفع ثمن السلام بسيادتنا".

وتشير دراسة حديثة لـمركز "كييف للدراسات الاستراتيجية" (2025) إلى أن 62% من الأوكرانيين يدعمون وجود قوات دولية "لمدة محدودة"، لكن 78% يرفضون "التواجد الدائم"، خشية أن يُستخدم كأداة ضغط سياسية.

✅ على المستوى الوطني: هل تُعيد أوكرانيا بناء سيادتها أم تُفقدها؟


الاتفاق المُقترح يشترط أن تتخلى أوكرانيا عن طموحها بالانضمام للناتو، وتُعلن حيادًا دائمًا.
في المقابل، تحصل على "ضمانات أمنية" من 5 دول كبرى: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الصين... وروسيا نفسها.

نعم، روسيا.

لكن هل يمكن لدولة مُعتدية أن تكون "ضامنًا أمنيًا" لدولة تهاجمها؟
السؤال الذي يطرحه البروفيسور يانوش كولسكي، من جامعة وارسو، في تقرير نُشر في "معهد تشاتام هاوس":

"الضمانات التي تُوقعها روسيا لا تساوي ورقة تُكتب عليها". 

وأمام هذا التناقض، تزداد مخاوف كييف من أن تُصبح أوكرانيا دولة "تحت الوصاية الدولية"، تُقرّر سياستها الخارجية بموافقة من بروكسل وواشنطن.

✅ التداعيات الدولية: هل نشهد تشكل كتلة جديدة في النظام العالمي؟


في 1 سبتمبر 2025، عُقدت قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين، الصين.
في كلمته، قال الرئيس شي جينبينغ:

"لا يمكن بناء السلام بالقواعد الغربية. يجب أن نرفض سياسة الترهيب". 

الرسالة واضحة: الصين وروسيا تُعيدان تعريف الأمن العالمي، وترفضان الهيمنة الأمريكية.

ووفق تقرير راند كوربوريشن (2025)، فإن "القوة الدولية في أوكرانيا قد تُسرّع انقسام النظام العالمي إلى كتلتين: واحدة غربية، وأخرى شرقية".

النتيجة؟
حرب باردة جديدة، لا تُدار بالأسلحة، بل بالضمانات، والقواعد، والقواعد العسكرية.

✅ البعد الاقتصادي: من يدفع ثمن "السلام"؟


تُقدّر تكلفة القوة الدولية بـ 7.2 مليار يورو سنويًا.

من سيُموّلها؟

40% من الاتحاد الأوروبي،
30% من الولايات المتحدة،
20% من دول آسيوية محايدة،
10% من صندوق خاص تُشرف عليه الأمم المتحدة.
لكن التساؤل الأهم: هل هذه الأموال تُستثمر في إعادة الإعمار؟ أم في تأسيس هيكل عسكري دائم؟

يُظهر تقرير البنك الدولي لعام 2025 أن أوكرانيا بحاجة إلى 486 مليار دولار لإعادة الإعمار، بينما لا يُخصص للبنية التحتية سوى 18% من المساعدات الحالية.

"نُنفق مليارات على الجنود، ونُهمّش المدارس والمستشفيات"، تقول ماريا كوفالينكو، ناشطة في حركة "أوكرانيا المدنية".

✅ آراء الخبراء: هل نبني سلامًا أم نُعدّ لحرب جديدة؟


"القوة الدولية قد تُجنّب عدوانًا مستقبليًا، لكنها لا تحلّ جذور الصراع. السلام لا يُبنى بالجنود، بل بالعدالة".
— د. نادية خليل، باحثة في مركز بروكينغز 

"ما يسمونه ضمانات، هو هيمنة مموّلة. روسيا تعرف هذا، وستردّ".
— د. فلاديمير فورونوف، مركز "فالدامير" الروسي 

"العالم يسير نحو نظام أمني جديد: لا سلام بدون توازن ردع. أوكرانيا أصبحت اختبارًا لهذا النظام".
— د. جون سافاج، جامعة جورج تاون 

✅ الخاتمة: هل نُعيد تعريف السلام؟


نحن لا نقف فقط على مفترق طرق جيوسياسي.
نحن نُعيد تعريف معنى "السلام" نفسه.

هل السلام هو غياب الحرب فقط؟
أم هو وجود عدالة، واستقلال، وكرامة؟

القوة الأمنية الدولية قد تُوقف دبابة روسية في المستقبل، لكنها لا تُعيد بناء قرية دُمّرت، ولا تُعيد طفلًا فقد أباه، ولا تُعيد ثقة شعب في مستقبله.

السؤال الأكبر اليوم ليس:

"هل نحتاج إلى قوات دولية؟" 

بل:

"هل نُعدّ لسلامٍ دائم، أم نُؤجّل المواجهة إلى جيلٍ قادم؟" 

الجواب، ليس في بروكسل أو واشنطن.
الجواب في كييف... وفي قلوب من عاشوا الحرب.

مقالات ذات الصلة