هل تؤدي الرسوم الجمركية الأمريكية إلى نقص الأدوية الجنيسة؟ تحليل م...

MEDIAMAR360

هل تؤدي الرسوم الجمركية الأمريكية إلى نقص الأدوية الجنيسة؟ تحليل مخاطر سياسة ترامب على صحة الملايين

بقلم : محمد صدقي
Sat, 09 Aug 2025 14:33:01

أبرز محاور هذا المقال

  • 9 من كل 10 أدوية تُصرف في الولايات المتحدة هي أدوية جنيسة تعتمد على مكونات من الصين والهند.
  • تصريحات ترامب عن فرض رسوم على واردات الأدوية تُهدد باضطرابات في سلاسل التوريد العالمية.
  • خبراء يحذرون: الرسوم قد ترفع أسعار العلاجات بآلاف الدولارات وتُسبب نُدرة في المستشفيات.
  • الدول العربية قد تتأثر بشكل غير مباشر بسبب اعتمادها الكبير على الأدوية الجنيسة من الهند.
  • تقارير من ING ومنظمة الصحة العالمية تحذر من كارثة صحية محتملة إذا لم تُعاد النظر في السياسات.
 صيدلانية فرنسية تعرض على عملاء دواءً جنيسًا.
صيدلانية فرنسية تعرض على عملاء دواءً جنيسًا.

هل تعلم أن الدواء الذي تتناوله كل صباح لخفض ضغط الدم أو السكر قد لا يصل إلى صيدليتك خلال عام؟
ليس بسبب نقص في الطلب، بل بسبب قرار سياسي في واشنطن؟

في لحظة قد تبدو بعيدة عنك، يُعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته فرض رسوم جمركية على واردات الأدوية، بحجة "الدفاع عن الأمن القومي".
لكن وراء هذا القرار، تكمن كارثة صحية محدقة: نُدرة في الأدوية الجنيسة، ارتفاع صاروخي في الأسعار، وانهيار في سلاسل التوريد العالمية.

والأمر لا يقتصر على أمريكا.
الهند، التي تُعرف بـ"صيدلية العالم النامي"، تُنتج 40% من الأدوية الجنيسة في السوق الأمريكية، وتعتمد بدورها على الصين في 80% من المكونات الفعالة.
وأنت، كمواطن عربي، قد تدفع الثمن: نُقص في أدوية الأمراض المزمنة، وارتفاع في الأسعار، وتأخير في العلاجات.

في هذا التحليل، نغوص في عمق الأزمة، ونستعرض رؤية خبراء، ونُحلّل تقارير مراكز بحث عالمية، لنُجيب على سؤال جوهري:
هل تؤدي الرسوم الجمركية الأمريكية إلى نقص الأدوية الجنيسة؟

 

✳️ ما هي الأدوية الجنيسة ولماذا تُعدّ العمود الفقري للرعاية الصحية؟

الأدوية الجنيسة ليست "نسخًا رخيصة"، بل أدوية مطابقة من حيث الفعالية والجودة للمنتجات الأصلية، لكنها تُطرح في السوق بعد انتهاء براءة اختراع الدواء الأصلي.

وفق رابطة الأدوية المتاحة (AAM)، شكّلت الأدوية الجنيسة والبيولوجية المشابهة 90% من الوصفات الطبية المُصرّفة في الولايات المتحدة عام 2023.
لكنها لم تمثل سوى 13.1% من إجمالي الإنفاق الدوائي.

النتيجة؟
وفرات بلغت 363 مليار فرنك سويسري (نحو 400 مليار دولار) في عام واحد فقط.
بمعنى آخر: الأدوية الجنيسة تنقذ النظام الصحي الأمريكي من الإفلاس.

لكن هذا النجاح يعتمد على شرط واحد: الاعتماد على سلاسل توريد عالمية رشيقة ومنخفضة التكلفة.

 

✳️ هل تؤدي الرسوم الجمركية الأمريكية إلى نقص الأدوية الجنيسة؟ تحليل سلسلة التوريد العالمية

السؤال ليس نظريًا.
الإجابة، وفق خبراء، هي: نعم، والخطر حقيقي.

تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الصين تُنتج 80% من المواد الفعالة (APIs) المستخدمة في الأدوية حول العالم.
أما الهند، فهي أكبر مُصدّر للمنتجات الدوائية النهائية، وتُعرف بـ"صيدلية العالم النامي".

 

في السوق الأوروبية، تُنتج الصين والهند معًا 80% من المواد الفعالة، و40% من الأدوية النهائية.
وفي الولايات المتحدة، كان 90% من منشآت إنتاج المواد الفعالة تقع خارج البلاد حتى عام 2021، وثلثا مواقع التصنيع النهائي خارج أمريكا.

 

الأمر الأكثر إثارة:

  • الولايات المتحدة تستورد مباشرة من الصين 16% فقط من الأدوية الجنيسة.
  • لكن 40% من الأدوية الجنيسة تأتي من الهند، التي تعتمد بدورها على الصين في 80% من مدخلاتها الدوائية.

وهنا تكمن المفارقة:

"حتى لو فرضت أمريكا رسومًا على الأدوية الصينية فقط، فإنها ستُضرب في قلب صناعة الأدوية الهندية، وبالتالي تُهدد إمداداتها الخاصة".

الدكتور محمد العلي، أستاذ الاقتصاد الصحي في جامعة القاهرة، يوضح:

"الرسوم الجمركية لا تُطبّق على الهواء، بل على سلاسل معقدة من التصنيع والتوزيع. عندما تُعيق مكونًا واحدًا، تنهار السلسلة بأكملها".

✳️ سياسة ترامب الجديدة: هل تُعيد إنتاج أزمة نقص الأدوية؟

في أبريل 2025، أطلقت وزارة التجارة الأمريكية تحقيقًا رسميًا لتقييم ما إذا كانت واردات الأدوية تمثل "تهديدًا للأمن القومي".
وكرّر دونالد ترامب عزمه على فرض رسوم جمركية تصل إلى 25% أو أكثر على واردات الأدوية.

هوارد لوتنيك، وزير التجارة الأمريكي، صرّح أن:

"النتائج قد تستغرق 9 أشهر، لكن الرسوم قد تُفرض قبل ذلك".

هذا التحذير أثار قلق الشركات الدوائية.
خواكين دواطو، الرئيس التنفيذي لشركة "جونسون آند جونسون"، حذّر خلال اجتماع الأرباح:

"الرسوم الجمركية قد تُسبب اضطرابات في سلاسل التوريد، وتؤدي إلى نقص في الأدوية".

رونالد بيرفينشينزي، المدير التنفيذي لهيئة معايير الأدوية الأمريكية (USP)، أضاف:

"لست متأكدًا أن الرسوم تُشكّل حافزًا لنقل الإنتاج. قد تدفع الشركات فقط إلى بيع منتجاتها في أسواق أخرى".

 

✳️ هل تؤدي الرسوم الجمركية الأمريكية إلى نقص الأدوية الجنيسة؟ تحليل تأثيرها على الأسعار

الشركات المنتجة للأدوية الجنيسة تعمل بهوامش ربح ضئيلة جدًا، غالبًا بين 5% و15%.
أي تكلفة إضافية (مثل رسوم جمركية بنسبة 25%) لا يمكن امتصاصها دون رفع الأسعار أو الخروج من السوق.

مجموعة ING المصرفية الهولندية قدّرت أن:

"فرض رسوم 25% على علاج جنيس للسرطان يستمر 24 أسبوعًا قد يرفع تكلفته بين 8,000 و10,000 دولار".

ستيفن فارلي، رئيس قطاع الرعاية الصحية في ING، يشرح:

"الأشخاص غير المؤمنين صحيًا هم الأكثر تضررًا. وقد ترتفع أقساط التأمين لبقية السكان أيضًا".

وفي سويسرا، حيث أسعار الأدوية الجنيسة أعلى بنسبة 45.5% من المتوسط الأوروبي، قد لا يُشعر المواطنون بالفرق الكبير.
لكن في الدول ذات الدخل المتوسط، الفرق قد يكون فارقًا بين الحياة والموت.

 

✳️ ما تأثير هذه السياسات على العالم العربي؟

الدول العربية، من المغرب إلى الخليج، تعتمد بشكل كبير على الأدوية الجنيسة المستوردة من الهند.

في تونس، مثلاً، شهدت عام 2023 أزمة نقص حادة في أدوية السكري والقلب، بسبب تأخير شحنات من الهند.
وفي مصر، تُقدّر نسبة الأدوية الجنيسة في السوق بـ 70% من إجمالي الأدوية المُباعة.

الدكتورة نادية حجازي، خبيرة السياسات الدوائية في المركز العربي للبحوث الصحية، تقول:

"أي اضطراب في التصدير الهندي بسبب الرسوم الأمريكية سيُؤثر مباشرة على توفر الأدوية في المنطقة. نحن لا نُنتج سوى 20% من احتياجاتنا الدوائية محليًا".

 

وأضافت:

"الدول العربية بحاجة ماسة إلى تطوير صناعتها الدوائية، وتنويع مصادر التوريد، قبل أن تتفاقم الأزمة".

 

✳️ هل يمكن للإنتاج المحلي أن يحل المشكلة؟

الرد على هذا السؤال هو: ليس في المدى القريب.

بناء مصنع أدوية حديث يستغرق 5 إلى 7 سنوات، ويحتاج إلى استثمارات تتجاوز 500 مليون دولار.
بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تُلبّي المصانع معايير صارمة من الهيئة الأمريكية للغذاء والدواء (FDA) أو الوكالة الأوروبية للأدوية (EMA).

تقرير لمعهد بروكينغز 2024 يُشير إلى أن:

"الإغلاق التدريجي للاعتماد على آسيا لا يمكن أن يتم بالحماية، بل بالاستثمار في القدرات الإقليمية، والتعاون بين الجنوب العالمي".

 

✅ الخاتمة: الأدوية ليست سلعة، بل حق من حقوق الإنسان

الرسوم الجمركية قد تكون أداة سياسية فعّالة في التجارة، لكنها كارثية في مجال الصحة.
الأدوية الجنيسة ليست "سلعة رخيصة"، بل حق أساسي في العلاج لملايين البشر.

فرض رسوم على وارداتها لا يُعزز الإنتاج المحلي، بل يُهدد بتفاقم نُدرة الأدوية، ورفع الأسعار، وزيادة الوفيات.

الحل ليس في الحماية، بل في:

  • تنويع سلاسل التوريد
  • بناء قدرات إنتاجية إقليمية
  • تعزيز التعاون الدولي

وعلينا أن نتذكر:

الصحة العامة لا تُفاوض عليها، ولا تُباع في سوق السياسة.

مقالات ذات الصلة

الخبز أو الغلوتين