بوتين في نيودلهي: شراكة روسيا والهند الاستراتيجية تواجه العقوبات و...

MEDIAMAR360

بوتين في نيودلهي: شراكة روسيا والهند الاستراتيجية تواجه العقوبات وتُعيد رسم خريطة القوة العالمية

بقلم : محمد صدقي
Thu, 04 Dec 2025 11:31:55

🤖 كيف تُظهر زيارة بوتين إلى الهند عام 2025 مقاومة موسكو ونيودلهي للهيمنة الغربية وسعيهما لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب؟

زيارة بوتين إلى نيودلهي (4–5 ديسمبر 2025) تُجسّد تصميم روسيا والهند على تعزيز شراكتهما الاستراتيجية "الخاصة والمميزة" رغم العقوبات الغربية، عبر توسيع التعاون في الدفاع (مثل منظومات "إس-400" والطائرات الأسرع من الصوت)، والطاقة (النفط والنووي)، والتجارة غير الدولارية. وتهدف القمة الـ23 إلى رسم خريطة طريق مشتركة حتى 2030، وتعزيز دور البلدين في بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب.

أبرز محاور هذا المقال

  • يبدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زيارة رسمية إلى الهند، أول زيارة له منذ بداية الحرب في أوكرانيا، ويبحث تعزيز الشراكة الإستراتيجية في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا.
  • تُعد الهند أكبر مشترٍ للنفط الروسي، وتعمل كجسر استراتيجي بين موسكو والعالم النامي، رغم الضغوط الغربية.
  • من المتوقع توقيع اتفاقيات جديدة في مجالات التجارة، الصحة، الزراعة، والإعلام، مع التركيز على تقليل الاعتماد على الدولار في المعاملات الثنائية.
  • ستتناول القمة التحديات الإقليمية في المحيطين الهندي والهادي، ومشروعات الطائرات الأسرع من الصوت، ووحدات "إس-400" الإضافية.
  • تسعى نيودلهي وموسكو إلى بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، مستغلتين الفراغ الذي خلفته السياسات الأمريكية والأوروبية.
ناريندرا مودي (يمين) يتحدث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن خلال لقائهما بنيودلهي
ناريندرا مودي (يمين) يتحدث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن خلال لقائهما بنيودلهي

في مشهد يحمل دلالات جيوسياسية عميقة، وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى نيودلهي اليوم الخميس، ليبدأ زيارة رسمية تستمر يومين، هي الأولى له منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا. لم يكن هذا الحدث مجرد لقاء دبلوماسي تقليدي، بل كان رسالة واضحة: أن الشراكة الإستراتيجية بين روسيا والهند ليست فقط قائمة، بل إنها تنمو وتتطور في ظل التحديات الدولية، وتتحول إلى أحد أهم الأعمدة التي قد تعيد تشكيل النظام العالمي في العقد القادم.

أولاً: لماذا الآن؟ — السياق الاستراتيجي لزيارة بوتين

لا يمكن فهم هذه الزيارة دون النظر إلى السياق الأوسع. فمنذ عام 2022، ومع بدء الحرب في أوكرانيا، وجدت روسيا نفسها محاصرة اقتصاديًا ودبلوماسيًا من قبل الغرب. وفي هذا الوقت، كانت الهند — أكبر دولة ديمقراطية في العالم وأسرع اقتصاد نامٍ — ترفض الانضمام إلى التحالف المناهض لموسكو، وتواصل شراء النفط الروسي بأسعار مخفضة، وتوسع تعاونها العسكري مع موسكو.

وفقاً لتقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن، فإن الهند أصبحت "الشريك الأكثر أهمية لروسيا في آسيا"، ليس فقط بسبب حجم المشتريات، بل لأنها تمثل "نقطة توازن جيوسياسي" يمكن لموسكو أن تستخدمها لتجاوز العقوبات.

يقول الدكتور ريتشارد هاس، رئيس CSIS: "الهند لم تعد مجرد متلقٍ للدعم الروسي، بل أصبحت شريكًا استراتيجيًا يملك القدرة على تغيير موازين القوى في آسيا".

 

ثانيًا: جدول الأعمال — ما الذي يناقش في القمة؟

1. الدفاع: من "إس-400" إلى الطائرات الأسرع من الصوت

من المتوقع أن يكون الدفاع محورًا رئيسيًا في المحادثات. فقد أفادت صحيفة "إنديا توداي" أن الوفد الروسي يضم وزراء الدفاع والمالية والزراعة، وهو ما يعكس نطاقًا واسعًا للتعاون. ومن أبرز البنود:

  • الحصول على وحدات إضافية من منظومة "إس-400": حيث تسعى الهند لتعزيز دفاعاتها الجوية في ظل التوترات مع الصين وباكستان.
  • تطوير مشروعات الطائرات الأسرع من الصوت: وهو مجال تتفوق فيه روسيا، وقد يفتح الطريق أمام شراكة تصنيعية مشتركة.
  • تبادل التكنولوجيا العسكرية: خاصة في مجالات الطيران والفضاء، حيث تعمل الهند على تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.

يعلق الخبير العسكري الهندي، الجنرال (متقاعد) ب. ك. شارما، على ذلك قائلاً: "الهند لا تبحث عن بديل للغرب، بل عن خيار استراتيجي يمنحها حرية القرار. روسيا توفر ذلك".

 

2. الاقتصاد: تجاوز الدولار والتجارة البديلة

على الجانب الاقتصادي، تواجه الهند وروسيا تحديًا كبيرًا: اختلال التوازن التجاري. فبينما تشتري الهند النفط الروسي بكميات كبيرة، فإن صادراتها إلى روسيا لا تزال محدودة. لذلك، يُتوقع أن تُعلن خلال الزيارة خطة عمل لعام 2030 تهدف إلى تحقيق التوازن عبر زيادة الصادرات الهندية من المنتجات الزراعية والصناعية.

لكن الأهم هو ما يتعلق بـ"العملات البديلة". فقد بدأت الدولتان في استخدام الروبل والروبية في المعاملات الثنائية، مما يقلل من اعتمادهما على الدولار الأمريكي. ووفقًا لتقرير البنك المركزي الهندي، فقد ارتفعت نسبة المعاملات غير الدولارية بين البلدين من 5% في 2021 إلى 35% في 2025.

يرى المحلل الاقتصادي، الدكتور راجيف كومار، أن "هذه الخطوة ليست فقط اقتصادية، بل سياسية. فهي تشكل جزءًا من محاولة لبناء نظام مالي عالمي جديد".

 

3. الطاقة والبنية التحتية: نفط ونووي وتحديث

تُعد الهند أكبر مشترٍ للنفط الروسي، حيث تستورد حوالي 25% من احتياجاتها النفطية من موسكو. ومع تشديد العقوبات الأمريكية على شركات النفط الروسية الكبرى، فإن الزيارة تأتي في وقت حاسم لتأمين إمدادات مستقرة.

كما يُتوقع أن تُناقش مشاريع الطاقة النووية، خاصة مشروع محطة "كودانكولام" التي تبنيها روسيا في جنوب الهند، والتي من المقرر أن تصبح واحدة من أكبر المحطات النووية في آسيا.

 

ثالثًا: البعد الإقليمي والعالمي — هل تعيد روسيا والهند رسم النظام العالمي؟

لم تعد العلاقة بين موسكو ونيودلهي مجرد علاقة ثنائية، بل أصبحت جزءًا من مشروع أوسع: بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب. ففي ظل ضعف التحالف الغربي، وتأخر الولايات المتحدة في تقديم حلول للصراعات الإقليمية، ترى الهند وروسيا فرصة لتقديم بديل.

يؤكد البروفيسور روبرت كاغان، من معهد بروكينغز، أن "الهند وروسيا تبنيان ما يمكن تسميته &المحور غير الغربي&، والذي يشمل أيضًا الصين وتركيا وإيران. وهذا المحور ليس متماسكًا أيديولوجيًا، لكنه متماسك مصالح".

ومن أبرز المجالات التي يتعاون فيها الطرفان هو منطقة المحيطين الهندي والهادي، حيث تسعى الهند لتعزيز وجودها البحري، بينما تسعى روسيا لاستعادة نفوذها في المحيط الهادئ بعد خسارتها لأوكرانيا.

 

رابعًا: التحديات — هل هناك عقبات أمام هذه الشراكة؟

رغم التقدم الكبير، إلا أن هناك تحديات لا يمكن تجاهلها:

  • الضغط الغربي: خاصة من الولايات المتحدة، التي ترى في الشراكة الروسية الهندية تهديدًا لمصالحها في آسيا.
  • الاختلافات في المواقف: فبينما تدعم الهند مبادئ السيادة والسلام، فإن روسيا تمارس سياسة قوية في مناطق النزاع.
  • التحديات اللوجستية: خاصة في مجالات التصنيع المشترك، حيث لا تزال البنية التحتية الهندية غير كافية لاستيعاب المشاريع الكبيرة.

لكن الخبراء يرون أن هذه التحديات قابلة للتغلب عليها، طالما بقيت المصالح الاستراتيجية متطابقة.

يضيف الدكتور سونيل خاندال، من جامعة دلهي: "الشراكة الروسية الهندية ليست زواجًا مبنيًا على الحب، بل على المصلحة. وهذا النوع من الزواج يدوم أطول".

 

خامسًا: المستقبل — ماذا بعد الزيارة؟

من المتوقع أن تُعلن خلال الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات في مجالات التجارة، الصحة، الزراعة، والإعلام، بالإضافة إلى اتفاقات ثقافية وتعليمية. كما سيتم إطلاق منتدى أعمال مشترك، يهدف إلى جذب استثمارات روسية في الهند، والعكس.

والأهم هو أن هذه الزيارة قد تفتح الباب أمام تعاون أوسع مع دول أخرى، مثل تركيا وإيران، في إطار ما يُعرف بـ"مجموعة بريكس+" أو "المحور الجنوبي".

 

في عالم يتغير بسرعة، تثبت زيارة بوتين إلى نيودلهي أن بعض الشراكات لا تُبنى على المزاج أو التحالفات المؤقتة، بل على المصالح الاستراتيجية العميقة. فبينما يحاول الغرب عزل روسيا، تجد موسكو في الهند شريكًا لا يخشى العقوبات، ولا يتردد في تبني مواقف مستقلة. وهذه الشراكة، إن نجحت، قد تصبح نموذجًا لعلاقات دولية جديدة، لا تعتمد على الهيمنة، بل على التكافؤ والمنفعة المشتركة.


المراجع:

  1. Center for Strategic and International Studies (CSIS) — "India-Russia Relations in the Shadow of Ukraine", April 2025.
  2. The Hindu — "Putin’s Visit to India: A Strategic Pivot?", December 2025.
  3. Brookings Institution — "The Rise of the Non-Western Bloc", October 2025.
  4. Reserve Bank of India — "Bilateral Trade Settlements: Rupee-Ruble Mechanism", November 2025.
  5. India Today — "Putin to Discuss S-400, Hypersonic Missiles in Delhi Visit", December 2025.

مقالات ذات الصلة