شرم الشيخ 2025: مختبر جيوسياسي, أمني، واقتصادي لإعادة هندسة الشرق ...

MEDIAMAR360

شرم الشيخ 2025: مختبر جيوسياسي, أمني، واقتصادي لإعادة هندسة الشرق الأوسط

بقلم : محمد صدقي
Sun, 19 Oct 2025 10:57:47

🤖 كيف تحوّلت شرم الشيخ عام 2025 إلى مركز جيوسياسي لإعادة هندسة الشرق الأوسط؟

قمة شرم الشيخ 2025 لم تكن مجرّد اجتماع دبلوماسي، بل مختبرًا استخباراتيًا لإعادة هندسة الشرق الأوسط. بين مشروع “صفقة القرن” بصيغته الجديدة، وتصريحات ترامب حول دفع السعودية نحو التطبيع، وعودة مصر إلى قلب الوساطة بعد تراجع قطر، تتكشّف خيوط منظومة إقليمية تُدار بعقل أمريكي–إسرائيلي يستثمر في الاقتصاد والأمن لإعادة تعريف الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. وسط هذا التحوّل، تتحوّل السعودية إلى محور الشرعية الجديدة، و”حماس” إلى فاعلٍ يحاول إعادة صياغة موقعه داخل خريطة الردع والتطبيع، فيما تراقب القوى الدولية المشهد كمن يضبط إيقاع توازنٍ جديد قيد التشكّل.

أبرز محاور هذا المقال

  • قمة شرم الشيخ 2025 تحوّلت إلى مختبر سياسي وأمني واقتصادي لإعادة هندسة الشرق الأوسط.

  • تصريحات ترامب حول السعودية واتفاقيات إبراهام كشفت عن عودة “صفقة القرن” بصيغة جديدة.

  • حماس أعادت تعريف مفهوم “مكافحة الإرهاب” بإقصاء التنظيمات المدعومة من إسرائيل.

  • غياب نتنياهو عن القمة كان خطوة تكتيكية لتفادي أي إقرار ضمني بشرعية الدولة الفلسطينية.

  • التحوّل من قطر إلى مصر في ملف الوساطة هدفه إعادة ضبط الإيقاع السياسي بما يخدم واشنطن وتل أبيب.

  • السعودية تمثل المحور الحاسم في التوازنات الإقليمية بين التطبيع والاعتراف بفلسطين.

  • شرم الشيخ أصبحت منصة لإدارة الصراع لا لحلّه، ضمن هندسة استخباراتية جديدة للمنطقة.

كيف تحوّلت شرم الشيخ عام 2025 إلى مركز جيوسياسي لإعادة هندسة الشرق الأوسط؟
كيف تحوّلت شرم الشيخ عام 2025 إلى مركز جيوسياسي لإعادة هندسة الشرق الأوسط؟

في أكتوبر 2025، تحوّلت شرم الشيخ من منتجع سياحي إلى ساحة هندسة إقليمية مفتوحة، حيث تقاطعت فيها ملفات التطبيع، والطاقة، والوساطة في النزاعات، ضمن سياق أعاد رسم موازين الشرق الأوسط. فالقمة التي بدت في ظاهرها امتدادًا لاتفاقيات إبراهام، كانت في جوهرها مرحلة جديدة من إعادة تعريف الصراع العربي–الإسرائيلي: من قضية تحرر وطني إلى معادلة أمنية–اقتصادية معقدة تُدار بأدوات القوة الناعمة والتحالفات المرنة.
لم يكن الحضور العربي الكثيف في شرم الشيخ إلا مؤشرًا على هذا التحول، إذ تحاول كل دولة أن تُعيد تموضعها داخل الخريطة الجديدة التي ترسمها واشنطن وتل أبيب بوساطة إقليمية متعددة الأطراف.

 

المحور الأول: ترامب يُعيد فتح “صفقة القرن” من الباب الخلفي

تصريح دونالد ترامب الأخير في مقابلة مع قناة Fox News حول “ضرورة دفع السعودية للانضمام إلى اتفاقيات إبراهام” لم يكن مجرد رأي شخصي أو تكرار لسياسة قديمة، بل إعلان عن استئناف المرحلة الثانية من صفقة القرن، ولكن بأدوات أكثر نعومة وغطاء دبلوماسي أشمل.

وفقًا لتقرير Chatham House الصادر في يوليو 2025، فإن واشنطن تسعى منذ مطلع العام إلى تحويل الصراع الفلسطيني من قضية سياسية إلى معادلة اقتصادية–أمنية، بحيث يتمّ استيعاب الأطراف العربية داخل منظومة تعاون إقليمي تشمل الطاقة، والاستثمار، والممرّات التجارية، مقابل “تهدئة طويلة الأمد” في غزة والضفة.
وبانضمام السعودية – وهي الدولة الإسلامية الأكثر رمزية – ستُمنح اتفاقيات التطبيع غطاءً دينيًا يُزيل الحرج عن باقي الدول العربية، مما يفتح الباب أمام تغلغلٍ رسميٍّ ومنظّم لإسرائيل في البنية الإقليمية.

 

المحور الثاني: غزة بين “محاربة الإرهاب” و”إعادة تعريف المقاومة”

لكن اللافت أن تصريحات ترامب حول “ضرورة تفكيك الجماعات الإرهابية في المنطقة” فُهمت في غزة على نحو مغاير. فقد التقطت حركة حماس الإشارة بعين تحليلية، معتبرة أن المقصود ليس هي، بل الجماعات المستحدثة التي تحاول خلط الأوراق، مثل تنظيم “جند أنصار الله” الذي يقوده “أبو شباب”، والذي أشارت مصادر فلسطينية إلى أنه مدعوم استخباراتيًا من جهات إسرائيلية بهدف خلق نزاعات داخلية في القطاع.

تاريخيًا، لم تكن هذه الاستراتيجية جديدة. فإسرائيل استخدمت في السبعينيات أسلوب دعم فصائل متطرفة لتقويض منظمة التحرير من الداخل. واليوم تعيد تطبيق الأسلوب ذاته في غزة: دعم مجموعات صغيرة لتشويه صورة المقاومة وتشتيت قوتها.

من هنا، فإن تحرك حماس الأخير ضد هذه التنظيمات لم يكن فقط عملاً أمنيًا، بل خطوة دبلوماسية محسوبة تهدف إلى فصل صورتها عن مفهوم “الإرهاب” في الوعي الغربي، خصوصًا بعد تزايد الدعم الإنساني الأوروبي للفلسطينيين عقب حرب 2024.
بهذه الخطوة، تحاول الحركة إرسال رسالة مزدوجة: فهي قادرة على ضبط الأمن، وفي الوقت نفسه ليست هي المستهدفة ضمن بند “محاربة الإرهاب” الأمريكي.

 

المحور الثالث: غياب نتنياهو... تكتيك لا انسحاب

الغياب المفاجئ لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن قمة شرم الشيخ أثار تساؤلات واسعة. فبينما برّرت تل أبيب الغياب بأسباب “دينية وتقنية”، فإن التحليل السياسي يشي بخلفيات أكثر عمقًا.
نتنياهو، الذي يعيش على خطاب “إسرائيل القوية التي لا تعترف بفلسطين”، يدرك أن الجلوس على طاولة واحدة مع رئيس السلطة الفلسطينية – ولو بشكل رمزي – يُعتبر اعترافًا ضمنيًا بشرعية الدولة الفلسطينية، وهو ما لا يستطيع تحمّله أمام قاعدته اليمينية ولا أمام شركائه في الائتلاف الحكومي.

ثم إن نتنياهو بات يشكّ في نوايا ترامب نفسه. فالرئيس الأمريكي، الذي يتباهى بعلاقته التاريخية بإسرائيل، أطلق في خطابه أمام الكنيسيت الإسرائيلي "البرلمان" إشارات أربكت المؤسسة الصهيونية، حين كشف عن أسماء رجال أعمال وشخصيات يهودية نافذة كانت تعمل خلف الستار في صناعة القرار الأمريكي لعقود.
بل ذهب أبعد حين أشار إلى طلب مباشر من الرئيس الإسرائيلي بمنح عفو رئاسي لنتنياهو عن قضايا الفساد، ما كشف التداخل غير المسبوق بين السياسة الأمريكية واللوبي الإسرائيلي، وأحرج تل أبيب أمام حلفائها الغربيين.

وفقًا لتحليل نشره Jerusalem Institute for Strategy، فقد رأى نتنياهو في هذه التصريحات “خطرًا مزدوجًا”:

  1. تهديد مباشر لصورته كـ"رجل دولة محصّن من الضغوط الأمريكية".

  2. احتمال أن يستخدم ترامب لقاءه مع القادة العرب لفرض تسوية تُفسَّر كـ"اعتراف بحل الدولتين"، وهو ما يعادل – في المخيال الصهيوني – هزيمة رمزية لإسرائيل.

ولذلك اختار نتنياهو أن يتوارى خلف الأعياد الدينية، تاركًا وزراءه في الواجهة، لتفادي أي التزام سياسي علني يمكن أن يُستخدم ضده لاحقًا.

 

المحور الرابع: عودة مصر إلى المسرح… ومغزى التحوّل القطري

عودة القاهرة إلى واجهة الوساطة لم تكن مصادفة. فمصر كانت منذ أشهر تبحث عن مدخل يعيدها إلى دور الوسيط المركزي في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بعد أن خطفت قطر الأضواء بفضل قوتها المالية وارتباطها بملفات الطاقة والاستثمار.
لكن بعد الهجوم الغامض الذي استهدف وفدًا من حماس على الأراضي القطرية، تغيّرت المعادلة بالكامل.

فقد برزت مصر من جديد بوصفها الطرف “الموثوق” أمريكيًا وإسرائيليًا، خاصة وأنها تملك أدوات الضغط التقليدية: الحدود، والمعابر، والأجهزة الأمنية.
أما قطر، فرغم قوتها الاقتصادية، فإنها لا تملك الوزن الأمني الذي يطمئن إليه الغرب، خصوصًا بعد أن تحوّل ملف الطاقة إلى ورقة ضغط سياسية استخدمتها الدوحة بكفاءة خلال حرب الغاز الأوروبية.

تقول Financial Times في تقريرها عن القمة إن “التحوّل من قطر إلى مصر ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لهجوم منسّق لإعادة ضبط موازين الوساطة بما يخدم واشنطن وتل أبيب”.
فالضربة التي استهدفت وفد حماس لم تكن مجرد “عملية اغتيال” بل رسالة جيوسياسية مزدوجة:
وقف الزخم الدبلوماسي القطري الذي بدأ يقود نحو اعتراف أوروبي واسع بدولة فلسطين، وتحويل المسار مجددًا إلى القاهرة التي تميل إلى الحلول البطيئة والمؤقتة بدل الحلول الجذرية.

 

المحور الخامس: السعودية... الرهان الأكبر

أما السعودية، فهي الحلقة المفصلية في هذه المعادلة الجديدة. فبحسب Brookings Institution، تعتبر واشنطن أن انضمام الرياض إلى اتفاقيات إبراهام سيشكّل نقطة اللاعودة في تطبيع العلاقات العربية–الإسرائيلية.
القيادة السعودية تدرك خطورة هذه الورقة، لذلك تحاول توظيفها للحصول على مكاسب استراتيجية أكبر: ضمانات أمنية أمريكية طويلة المدى، ودور قيادي في إعادة إعمار غزة، وربط أي اعتراف رسمي بإسرائيل بتقدم حقيقي نحو حل الدولتين.

الرياض لا تريد أن تبدو وكأنها “تبيع” القضية الفلسطينية، لكنها أيضًا تستخدم الملف كورقة تفاوضية مع واشنطن في ملفات الطاقة والنفوذ الإقليمي.
وبهذا المعنى، فإن السعودية ليست “تابعًا” في هذا المشروع، بل فاعلًا يعيد تعريف قواعد اللعبة نفسها.

 

المحور السادس: الهندسة الجديدة للشرق الأوسط

تتقاطع في مشهد شرم الشيخ 2025 ثلاث طبقات هندسية أساسية:

  1. الطبقة السياسية: إعادة تعريف الصراع عبر مبادرات السلام الاقتصادية والتطبيع التدريجي.

  2. الطبقة الأمنية: إعادة توزيع أدوار الوساطة، بحيث تصبح مصر “الضابط الأمني” الإقليمي، وقطر “الممول”، والسعودية “الضامن الرمزي”.

  3. الطبقة الاقتصادية: ربط الشرق الأوسط الجديد بمشاريع الممرات التجارية، والطاقة الخضراء، وخطوط الربط الكهربائي، لتصبح القضية الفلسطينية مجرد بند من بنود التنمية.

هذه ليست عملية سلام، بل هندسة استخباراتية شاملة لإعادة تعريف الشرق الأوسط:
شرق أوسط لا مكان فيه لمفهوم “التحرر الوطني”، بل لتحالفات وظيفية تخدم منظومة مصالح أمريكية–إسرائيلية، بواجهة عربية أنيقة.

 

ما حدث في شرم الشيخ لم يكن قمة تقليدية، بل تدشينًا لمرحلة جديدة من “السلام الإداري”: سلامٌ لا ينهي الحرب، بل يديرها.
في هذا المختبر السياسي المتعدد الأبعاد، تُختبر الدول العربية في مدى استعدادها للانخراط في مشروع “التطبيع المتدرج”، بينما تُختبر المقاومة في قدرتها على البقاء ضمن خريطة جديدة تحكمها الحسابات لا المبادئ.

قد تنجح واشنطن وتل أبيب في تجميد الصراع مؤقتًا، لكن إعادة تعريفه بهذا الشكل لا تعني نهايته.
فالشرق الأوسط الذي يُعاد هندسته اليوم في شرم الشيخ، قد يبدو أكثر هدوءًا على السطح، لكنه يحمل في عمقه بذور انفجار قادم، حين تكتشف الشعوب أن "السلام الاقتصادي" ليس سوى هدنة مؤقتة لتكريس واقع الاحتلال بأدوات جديدة.

مقالات ذات الصلة