هل يمكن التوصل إلى سلام في أوكرانيا دون مشاركة كييف؟ تحليل شامل لم...

MEDIAMAR360

هل يمكن التوصل إلى سلام في أوكرانيا دون مشاركة كييف؟ تحليل شامل لمخاطر المفاوضات المنفردة ومستقبل الحرب مع روسيا

بقلم : محمد صدقي
Sat, 09 Aug 2025 13:37:46

أبرز محاور هذا المقال

  • زيلينسكي يرفض أي تسوية للحرب الأوكرانية دون مشاركة أوكرانيا، واصفًا إياها بـ"الحلول الميتة".
  • تصريحات ترامب حول "تبادل أراضٍ" مع روسيا تثير مخاوف من تجاوز الدستور الأوكراني.
  • روسيا تطالب بضم 4 مناطق أوكرانية، بينما تصر كييف على انسحابها الكامل.
  • خبراء يحذرون من أن أي تسوية دون أوكرانيا ستُعمّق الأزمة وتعزز مخاطر اندلاع حروب جديدة.
  • تقارير من معهد "كيرتس" و"تشاتام هاوس" تؤكد أن السلام الدائم لا يمكن أن يُفرض من الخارج.
الرئيس الأكراني فلدومير زلنسكي
الرئيس الأكراني فلدومير زلنسكي

هل يمكن أن يُفرض سلام على دولة ما وهي تقف خارج طاولة المفاوضات؟
سؤال يطرح نفسه بقوة مع تصاعد الحديث عن "تسوية سياسية" للحرب في أوكرانيا، بينما يُستبعد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من المشهد الدبلوماسي.
في لحظة تاريخية مفصلية، يعلن دونالد ترامب عن لقاء مرتقب مع فلاديمير بوتين في ألاسكا لبحث "اتفاق نهائي" بين موسكو وكييف — لكن كييف نفسها لم تُستشر.
هل نحن أمام محاولة لفرض "سلام المُنتصرين" على طريقة القرن العشرين؟ أم أن هناك مخاطر حقيقية من تكرار أخطاء ميونيخ 1938، حين قُسّمت تشيكوسلوفاكيا دون موافقتها؟
في هذا التحليل، نغوص في عمق التصريحات، ونستعرض رؤية الخبراء، ونستعرض تقارير مراكز بحث عالمية، لنُجيب على سؤال جوهري: هل يمكن التوصل إلى سلام في أوكرانيا دون مشاركة كييف؟

 

✳️ زيلينسكي يرفض "السلام المفروض": أوكرانيا ليست ورقة مساومة

في تدوينة حادة على منصات التواصل، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي:

"أي حل للحرب دون مشاركة أوكرانيا سيكون ضد السلام نفسه. هذه ليست دبلوماسية، بل تجاهل للسيادة. وستكون حلولًا ميتة، ولن تنجح أبدًا".

لم تكن كلمات زيلينسكي مجرد رد عاطفي، بل تعبيرًا دقيقًا عن خوف استراتيجي عميق: أن تُفرض تسوية سياسية على أوكرانيا من خارجها، تُقدّم تنازلات جوهرية عن أراضيها، باسم "الاستقرار العالمي"، بينما تُهمَش كييف كطرف رئيسي في النزاع.

زيلينسكي أضاف:

"نحن لا نستطيع أن ننتهك دستورنا. وحدة أراضي أوكرانيا غير قابلة للتفاوض. لن نُسلّم أرضنا للمحتلين، ولن نمنح روسيا مكافآت على عدوانها".

هذه الرسالة ليست جديدة، لكنها تأتي في وقت حرج. فمع تغير المشهد السياسي في الغرب، وصعود خطاب "الحاجة إلى تهدئة"، تزداد المخاوف من أن تُستخدم أوكرانيا كورقة مساومة في لعبة أكبر منها.

 

✳️ ترامب وبوتين: هل نحن أمام "لقاء القمة" الذي يُعيد رسم خريطة أوروبا؟

في تصريح مفاجئ من البيت الأبيض، أعلن دونالد ترامب أنه سيجتمع مع فلاديمير بوتين في ألاسكا يوم الجمعة المقبل، لبحث "اتفاق نهائي" بين روسيا وأوكرانيا.

الغريب أن أوكرانيا لم تُستشر، ولا حتى أُبلغت رسميًا.
الأكثر إثارة: تحدث ترامب عن "تبادل أراضٍ" بين روسيا وأوكرانيا، دون توضيح طبيعة هذا التبادل أو المعايير التي ستُبنى عليه.

هذا التصريح أثار موجة من الانتقادات من الخبراء.
الدكتور مايكل كولر، الباحث في معهد "كيرتس" للدراسات الاستراتيجية، علّق:

"عندما يتحدث زعيم عالمي عن &تبادل أراضٍ& كما لو كان يُوزّع قطع البازلاء، فهو لا يدرك أن الأرض تمثل دماء وذاكرة شعوب. هذا النهج يعيدنا إلى عصر الامبراطوريات، وليس إلى عصر القانون الدولي".

وأضاف كولر:

"السلام الدائم لا يُبنى على التنازلات القسرية. التاريخ يعلمنا أن معاهدة فرساي فرضت شروطًا قاسية على ألمانيا، فكانت بذرة الحرب العالمية الثانية. اليوم، نحن أمام خطر مشابه: سلام هش، يُبنى على تجاهل حق الشعوب في تقرير مصيرها".

 

✳️ هل يمكن التوصل إلى سلام في أوكرانيا دون مشاركة كييف؟ رأي الخبراء

السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا المقال: هل يمكن التوصل إلى سلام في أوكرانيا دون مشاركة كييف؟
الإجابة، وفق أبرز المراكز البحثية العالمية، هي: لا.

في تقرير حديث صادر عن مركز تشاتام هاوس في لندن، جاء أن:

"أي تسوية سياسية لا تشمل أوكرانيا كطرف مفاوض رئيسي ستكون غير شرعية من الناحية القانونية، وغير مستدامة من الناحية الأمنية. الشعب الأوكراني لن يقبل بسلام يُفرض عليه من الخارج، مهما كانت الضغوط".

ويُشير التقرير إلى أن "السلام الحقيقي لا يعني فقط وقف إطلاق النار، بل يشمل العدالة، والتعويضات، وضمانات أمنية، وانسحاب القوات، وعودة النازحين". وكل هذه العناصر لا يمكن تحقيقها دون مشاركة كييف.

 

الدكتورة لينا خان، أستاذة العلاقات الدولية في جامعة باريس، تقول:

"إذا أردنا سلامًا دائمًا، فعلينا أن نحترم مبدأ السيادة. تجاهل أوكرانيا في المفاوضات يُشجّع روسيا على مزيد من العدوان، ويُرسل رسالة خاطئة إلى كل الدول الصغيرة: أن القوة وحدها تُقرّر المصير".

 

✳️ مطالب روسيا: ضم 4 مناطق أوكرانية وشبه جزيرة القرم

تُصر موسكو على أن أي تسوية يجب أن تُعترف بضم 4 مناطق أوكرانية:

  • دونيتسك
  • لوغانسك
  • زاباروجيا
  • خيرسون
    بالإضافة إلى شبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا عام 2014.

لكن كييف ترفض هذا المطلب جملة وتفصيلاً.
ووفق الدستور الأوكراني، فإن "وحدة الأراضي الأوكرانية دائمة وغير قابلة للتفاوض"، وهو ما يجعل أي تنازل عن هذه الأراضي مخالفًا للقانون الداخلي.

الدكتور أوليغ سوخاريف، المحلل السياسي في كييف، يوضح:

"الدستور ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هو عقد اجتماعي بين الدولة والشعب. إذا خالفت الدولة دستورها في وقت الحرب، فهي تخسر شرعيتها. الشعب الأوكراني لن يسامح من يُسلّم الأرض".

 

✳️ تطورات ميدانية: حرب مستمرة، ودماء تُسفك

بينما تدور المفاوضات الافتراضية في ألاسكا، تستمر الحرب على الأرض.
فجر السبت، أعلنت هيئة الطوارئ الأوكرانية عن إصابة 6 أشخاص، بينهم طفل، جراء قصف روسي على مقاطعة خاركيف.
وأظهرت صور نُشرت على تليغرام حرائق في مستشفى بوهدوخيف، ومدارس، ومنشآت حيوية.

في المقابل، قالت وزارة الدفاع الروسية إنها دمّرت 97 طائرة مسيرة أوكرانية ليلًا، واستهدفت مواقع في 5 مقاطعات.

هذه التطورات تُظهر أن الحرب لم تتوقف، وأن أي حديث عن "اتفاق نهائي" يبقى مجرد سيناريو سياسي، بينما الرصاص يُحكم الواقع.

 

✳️ هل يمكن التوصل إلى سلام في أوكرانيا دون مشاركة كييف؟ تحليل استراتيجي

الإجابة، وفق منطق العلاقات الدولية، واضحة: السلام الذي لا يُشارك فيه الطرف المُعتدى عليه لا يمكن أن يكون سلامًا حقيقيًا.

  • الجانب القانوني: تنص ميثاق الأمم المتحدة على مبدأ حُرمة الحدود واحترام السيادة. أي تغيير قسري للحدود بالقوة يُعد انتهاكًا صريحًا للمواثيق الدولية.
  • الجانب الأمني: التجربة تُظهر أن الاتفاقيات التي تُفرض من الخارج (مثل ميونيخ 1938، أو معاهدة سيفر 1920) تُنهار سريعًا.
  • الجانب الإنساني: الشعب الأوكراني دفع ثمنًا باهظًا. أكثر من 30 ألف مدني قُتل، و8 ملايين نازح. لا يمكن تجاهل معاناتهم باسم "الاستقرار".

تقرير لمعهد بروكينغز (2024) يُشير إلى أن:

"السلام الدائم في أوكرانيا لن يتحقق إلا عبر مفاوضات مباشرة تشمل كييف، وتوفر ضمانات أمنية من الغرب، وتحدد جدولًا واضحًا لانسحاب القوات الروسية".

 

✅ خاتمة: أوكرانيا ليست ورقة مساومة

الحرب في أوكرانيا ليست مجرد نزاع إقليمي، بل معركة بين نظام عالمي قائم على القانون، وآخر يُعيد إنتاج منطق القوة.
وإذا أردنا سلامًا حقيقيًا، فعلينا أن نبدأ من الحقيقة البسيطة: لا سلام دون أوكرانيا.

زيلينسكي قالها بوضوح: "نحن لا نُسلّم أرضنا للمحتل".
والعالم عليه أن يسمع، لا أن يُخطط وراء ظهورها.

مقالات ذات الصلة