كيف تُموّل حماس رواتب الموظفين في غزة رغم الحصار؟
أبرز محاور هذا المقال
- كيف تدفع حماس رواتب 43 ألف موظف مدني وعسكري في قطاع غزة رغم الحصار المالي والجغرافي؟
- من يموّل حماس؟ قطر أم إيران؟ وما دور الأمم المتحدة في تمرير الأموال؟
- هل يُمكن لنموذج "الدولة الموازية" أن يصمد أمام انهيار اقتصادي محتّم؟
- بيانات من البنك الدولي، تقارير الأمم المتحدة، وتحليلات خبراء اقتصاديين مغاربة ودوليين.
- نظرة داخلية على الاقتصاد الخفي في غزة: من ضرائب الأنفاق إلى "الرواتب المقطوعة".
هل تتخيل دولةً لا تُعترف بها، لا تمتلك ميناءً ولا مطارًا، ولا تحصل على ميزانية من ضرائب رسمية، ومع ذلك تُوظّف 43 ألف شخص، وتُوزّع رواتب شهريًا — ولو جزئيًا؟
هذا ليس خيالًا سياسيًا، بل الواقع الذي تعيشه حركة حماس في قطاع غزة منذ أكثر من 16 عامًا. في ظل حصار إسرائيلي مطبق، وانقطاع تام عن الشبكة المالية للسلطة الفلسطينية، تُواصل الحركة دفع رواتب لآلاف الموظفين في التعليم، الصحة، والداخلية.
لكن السؤال الذي يُطرح بقوة: من يموّل هذه الرواتب؟ وهل يمكن لنموذج "الدولة الموازية" أن يعيش على الهبات والضوابط غير الرسمية إلى ما لا نهاية؟
إقرأ أيضًا:
نستعرض في هذا التحليل المعمق، بناءً على تقارير البنك الدولي، الأمم المتحدة، وشهادات خبراء اقتصاديين وسياسيين، الآليات الخفية التي تُبقي حماس على قيد الحياة ماليًا، في لعبة متوازنة بين الدعم الخارجي، والاقتصاد الشعبي، وحافة الهاوية.
كيف تُموّل حماس رواتب الموظفين في غزة رغم الحصار؟
في قلب واحدة من أكثر البيئات السياسية تعقيدًا في الشرق الأوسط، تُواصل حركة حماس إدارة ما يشبه دولةً داخل دولة. لا تُعترف بها دوليًا، لا تمتلك موارد سيادية، ومع ذلك تُوظّف 42,700 موظفًا مدنيًا وعسكريًا، وتُوزّع رواتب شهريًا — ولو بشكل جزئي.
السؤال الذي يُربك المراقبين: كيف تُموّل حماس هذه الرواتب في ظل حصار مالي وجغرافي مستمر منذ 17 عامًا؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها تكمن في مزيج خطير من التمويل الخارجي، والاقتصاد الموازي، وشبكة دعم إقليمية تُحافظ على استقرار غزة، ليس من منطلق سياسي، بل من خوف من الانهيار الإنساني.
من يُموّل رواتب موظفي حماس؟ الدور المحوري للدعم القطري
أحد أهم مفاتيح بقاء حماس ماليًا هو الدعم القطري. منذ عام 2018، تُرسل قطر 150 مليون دولار شهريًا إلى غزة، بوساطة الأمم المتحدة ومصر، تحت بند "الإغاثة الإنسانية".
لكن التقرير السنوي لـ البنك الدولي (2023) كشف أن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال يُستخدم لتغطية رواتب الموظفين الذين عيّنتهم حماس بعد سيطرتها على القطاع.
"قطر لا تمول حماس مباشرة، بل تدفع الأموال إلى وكالات الأمم المتحدة، التي تُحوّلها لشراء وقود، كهرباء، ودفع رواتب موظفين في الصحة والتعليم"، يوضح د. عادل سماره، أستاذ الاقتصاد في جامعة النجاح.
لكن المفارقة: هذه الرواتب تُدفع لموظفين لا تعترف بهم السلطة الفلسطينية، وتُعتبر "غير شرعية" من قبل رام الله.
إيران و"الصندوق الأسود": تمويل سري لا يُعلن عنه
إلى جانب قطر، تُعتبر إيران مصدرًا استراتيجيًا للتمويل. ورغم توتر العلاقة بين الطرفين في العقد الماضي، تشير تقارير استخباراتية أمريكية إلى أن طهران تُرسل ما بين 50 و70 مليون دولار سنويًا لحماس، عبر قنوات غير رسمية.
تقرير نُشر جزئيًا عبر مجلة Foreign Policy (2021)، استند إلى وثائق استخباراتية، كشف أن الأموال تُرسل عبر تركيا أو لبنان، ثم تُحوّل إلى حسابات في غزة عبر شبكات صرافة محلية.
"إيران تمول حماس ليس فقط كحركة مقاومة، بل كأداة لنفوذ إقليمي. كل دولار تُرسله طهران هو جزء من حرب باردة مع إسرائيل"، يقول د. محسن مراد، باحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط.
الاقتصاد الموازي: ضرائب الأنفاق، رسوم المعابر، والجباية غير الرسمية
إذا كان التمويل الخارجي هو العمود الفقري، فإن الاقتصاد الموازي هو العضلات التي تُحرّك الجهاز الإداري لحماس.
قبل تدميرها من قبل مصر في 2013، كانت الأنفاق تحت الحدود المصرية تُدرّ على حماس دخلًا سنويًا يُقدّر بـ 15 مليون دولار، وفق تقرير لمركز دراسات السياسة والمجتمع (PCPSR).
كما تفرض الحركة ضريبة بنسبة 5% إلى 10% على البضائع الداخلة عبر معبر رفح، وتحصّل رسومًا من التجار والشركات، ما يُدرّ عليها ما بين 8 و10 ملايين دولار سنويًا.
"حماس تُدير ما يشبه دولة جباية موازية. لا تُصدر فواتير رسمية، لكنها تُفرض ضرائب بقوة"، يشرح د. عبد اللطيف الحناوي، باحث مغربي في مركز بروكنجز الدوحة.
الرواتب المقطوعة: أداة للسيطرة لا للإنصاف
لكن التمويل لا يكفي لتغطية الرواتب بالكامل. وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، فإن 67% من موظفي حماس يتلقون رواتبهم بشكل متقطع أو جزئي.
في بعض الشهور، يُدفع 50% من الراتب، وفي شهور أخرى لا يُدفع شيء. ومتوسط الراتب الشهري لا يتجاوز 190 دولارًا.
"هذا النموذج يُبقي الموظف مُرتهنًا. كلما تأخر الراتب، زاد اعتماده على الحركة. إنها سياسة استنزاف اجتماعي"، يُحلّل د. الحناوي.
هل يمكن أن يستمر هذا النموذج؟
الواقع أن النموذج هشّ جدًا.
- الدعم القطري مهدّد: إسرائيل هدّدت مرارًا بوقف دخول الأموال القطرية إذا استُخدمت لدعم "الإرهاب".
- الاقتصاد في انهيار: وفق البنك الدولي، انخفض الناتج المحلي لغزة بنسبة 52% منذ 2007، والبطالة تُقدّر بـ 47%.
- السلطة الفلسطينية ترفض دمج الموظفين: رغم محاولات المصالحة، تُصرّ رام الله على أن موظفي 2007 "غير شرعيين".
"نحن أمام دولة فاشلة تُدار بالهبات. أي توقف للدعم، أو تشدّد مصري على رفح، قد يُسقط هذا الهيكل"، يحذّر د. مراد.
خاتمة: غزة على حافة الهاوية
حماس لا تحكم بسلطة شرعية، ولا تمتلك موارد سيادية، ومع ذلك تُدير جهازًا بيروقراطيًا كبيرًا. هذا النجاح المالي الهشّ يُعتمد على ثلاثة أركان: التمويل الخارجي، الاقتصاد الموازي، والسيطرة الاجتماعية.
لكن هذا التوازن لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فغزة ليست فقط تحت حصار، بل تحت حصار مالي، اجتماعي، ونفسي.
والمشكلة الأكبر: لا يوجد بديل. فكل محاولة لدمج الموظفين تُقابل برفض سياسي، وكل توقف للتمويل الخارجي يُهدّد بانفجار إنساني.
السؤال الأهم اليوم ليس "كيف تدفع حماس الرواتب؟"، بل: متى سينهار هذا النموذج؟